لو شئنا مقاربة الفعل الانتفاضي الميداني في شهره الرابع، لقلنا: أخفق الاحتلال في إخماده، لكنه لم يتحول، فلسطينياً، إلى خيار سياسي، ارتباطاً باستمرار رهانات "أوسلو" الخائبة، واستمراء "لعبة" الانقسام المدمرة. وكي لا يجهلنَّ أحد على أحد، فإن هذا وذاك، يتحملان، معاً، مسؤولية إهدار فرصة من دم لتوحيد الصف واستعادة الثقة الشعبية بالفصائل، بل وتحويلها إلى محطة لتعميق الشروخ، وارتفاع حدة النقد الشعبي للتنظيم السياسي الفلسطيني، لدرجة غسل اليد منه، وكأنه من مخلفات الماضي الذي ينبغي ركْنه في متحف للعاديات، بكل ما يعنيه ذلك من جنوح نحو تقديس العفوية و"شيطنة" التنظيم بأشكاله، بما فيها السياسي، أداة التغيير الأساس للثورات الوطنية والاجتماعية، في التاريخ الحديث والمعاصر. إن هذا المستوى غير المسبوق من عدم الثقة بين الحالة الشعبية الفلسطينية وفصائل العمل الوطني، أمر يستدعي القلق بحد ذاته، فما بالك مع ما يوفره للاحتلال وأجهزته الأمنية من مداخل، لم يحلم بها، لتأجيج الخلافات، ولزعزعة الثقة، سواء بين الفصائل، أو بينها وبين شعبها، كشعب دأبه الإقبال على الانتظام، وعلى الانخراط في التنظيم بأشكاله كافة، بصورة لم يعرفها، (مثلاً)، شعب عربي آخر، على الأقل منذ انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة، ما أحدثته ذروتها انتفاضة 87 من تطوير وإبداع، كمَّاً ونوعاً، شكلاً ومضموناً، على التنظيم الفلسطيني.
لكن، لا شك أن ترك الفعل الانتفاضي الميداني بلا قيادة وأهداف وطنية موحدة، وبالتالي، بلا ركائز فكرية وسياسية واجتماعية واقتصادية ومعنوية وطنية موحدة، هو المسؤول عن تغذية العفوية لدرجة رجم التنظيم والانتظام. وفي هذا، بلا أدنى شك، ما يشجع حكومة الاحتلال، (المتغطرسة الفاشية بطبيعتها)، على مواصله هجومها السياسي، وتصعيد هجومها الأمني والعسكري لردع الصناع الميدانيين للفعل الانتفاضي عبر ارتكاب فظاعات الإعدامات الميدانية، واحتجاز جثامين الشهداء، وهدم بيوت عائلاتهم، وترك الجرحى ينزفون حتى الموت، وتكثيف الاعتقال وتشديد التنكيل بالأسرى، والأطفال منهم خصوصاً. هذا علماً أن قادة جيش الاحتلال وأجهزته الأمنية، (وفقاً لوسائل الإعلام الإسرائيلية)، حذروا، منذ البداية، وما زالوا يحذرون، حكومتهم من أن البطش لا يساعد على إخماد الفعل الانتفاضي، بل يؤججه، ويوسع المشاركة الشعبية فيه. وقد جاءت مجريات الأحداث لتثبت صوابية هذا التقدير. فسقوط الشهداء لم يردع غيرهم، بل زاد عدد الاستشهاديين، ووسَّع المشاركة الشعبية في جنازاتهم وبيوت عزائهم. واحتجاز جثامينهم أطلق المسيرات الجماهيرية الحاشدة المطالبة باستعادتها. أما هدم بيوت عائلاتهم، ففتح باب المبادرات الشعبية لإعادة بنائها. فمن مبادرة جمع التبرعات لإعادة بناء بيت عائلة الشهيد إبراهيم العكَّاري في مخيم شعفاط، إلى مبادرة إعادة بناء بيوت الشهداء في نابلس، إلى مبادرة إعادة بناء بيت عائلة الشهيد مهند الحلبي في رام الله، إلى قرار نقابة موظفي السلطة، (المُنحلة)، بدفع كل موظف 1% من راتبه، ومطالبة النقابات الأخرى أن تحذو حذوها، لكن السلطة، عوض أن تعلن موافقتها على قرار نقابة موظفيها، وتضطلع بمسؤوليتها الوطنية تجاه كل العائلات المتضررة من إجراءات الاحتلال، نجدها تعلن مواصلة التنسيق الأمني والتفاخر باحباط 200 عملية فدائية.
لكن الرد الشعبي على بطش الاحتلال أجبر جيش الاحتلال على تسليم جثامين شهداء الضفة، خلافاً لحكومته التي تستخدم صلاحياتها لمواصلة احتجاز جثامين شهداء القدس، ما يؤكد وجود تباين نسبي بين المستوى السياسي والمستوى العسكري الأمني للاحتلال حول سبل مواجهة التحديات الإستراتيجية التي تواجهها إسرائيل، ومنها تحدي الموجة الانتفاضية المستمرة. فمعرفة قادة جيش الاحتلال وأجهزته الأمنية لحدود قوة إسرائيل، بالمعنى الشامل للكلمة، هي ما يدفعهم لفرملة "جنون" حكومتهم وعنجهية ظنها بأن ما لا يتحقق بالقوة يتحقق بالمزيد من القوة، كمقاربة ثبت فشلها وعقمها، وباتت محط نقد من جهات سياسية وحزبية وإعلامية صهيونية، وأخرى أوروبية وأميركية حليفة لإسرائيل.
لكن، منعاً للتقديرات الخاطئة لهذا التباين، فلنقل: صحيح أنه لا الحالة العربية القائمة، ولا اختلال ميزان القوى، بالمعنى الشامل للكلمة، يتيح انتصارات فلسطينية سريعة وحاسمة، لكن الأصح هو أن لا هذا ولا ذاك يترك متسعاً لتسوية تفاوضية للصراع. يعني؟ ليس ثمة أمام النخب القيادية الفلسطينية من خيار سوى خيار الصمود والمقاومة لتعديل ميزان القوى، وأولاً عبر توحيد الطاقات والجهود والإمكانات الوطنية، وتبني ودعم وقيادة الفعل الانتفاضي وتطويره إلى خيار سياسي لإفشال مساعي إخماد يقظة الشعب الفلسطيني، واختزال خارطة وطنه وحقوقه، وصولاً إلى تصفية قضيته.
أما استمرار رهانات "أوسلو" واستمراء "لعبة" الانقسام، وبالتالي، التلكؤ في تبني ودعم وقيادة خيار الشعب المستعد للعطاء والتضحية بلا حدود، فيعني أن الحالة الشعبية باتت متقدمة، في وعيها الوطني واستعدادها الكفاحي ومبادراتها الشجاعة، على نخب قيادية يكبلها إرث المنظومة الفكرية والسياسية والأمنية والأخلاقية والنفسية لـ"أوسلو" والانقسام. بل، ويعني أن الخلل البنيوي للحالة القيادية قد بلغ حدود المس ببديهيات مرحلة التحرر الوطني ومقتضياتها، وأهمها: انضباط التناقضات الداخلية للتناقض الأساس مع الاحتلال، وممارسة جميع أشكال المقاومة، وتوحيد أدواتها ومرجعيتها وهدفها السياسي، لا شرذمتها، واختزالها في الشكل السياسي الدبلوماسي لمواجهة احتلال استيطاني عنصري إقصائي إحلالي، دأبه التوسع والعدوان وشن الحروب ورفض التسويات السياسية، ولو في حدود الموافقة على دولة فلسطينية مستقلة على "حدود 67". ولا جديد في هذا الاستخلاص. فقد اختلف الفلسطينيون، عام 1993، على "أوسلو" كما لم يختلفوا منذ انطلاق ثورتهم المعاصرة. وحتى "مهندس أوسلو" الرئيس أبو مازن، (أمين سر "اللجنة التنفيذية" للمنظمة، آنذاك)، قال أمام أعضاء "المجلس المركزي" المجتمعين للمصادقة على "اتفاق إعلان المبادئ": "أوسلو إما أن يقودنا إلى الدولة أو إلى الكارثة".
أما بعد انتهاء "العمر الزمني" لـ"أوسلو"، في أيار 1999، من دون أن تنفذ حكومات الاحتلال حتى الأساسي من بنود "المرحلة الانتقالية"، فقد انتفى احتمال الدولة وتأكد احتمال "الكارثة"، حيث لم يعد اتخاذ قادة الاحتلال المفاوضات غطاء لاستكمال مخططاتهم التوسعية العدوانية خافياً على أحد. ولم يعد رفضهم إقامة دولة فلسطينية بحاجة إلى برهان. ولم تعد سياساتهم الهجومية بحاجة إلى إعلان، شعارهم في ذلك شعار من قطع رأس رسول أعدائه للسلام، وأرسله لهم مع عبارة: "جوابنا فيما ترون لا فيما تسمعون". وكأنهم، (قادة الاحتلال)، يقولون للفلسطينيين: في السياسة لن نتراجع قيد أنملة. وفي الميدان نقتلكم، نسجنكم، نحاصركم، نهدم بيوتكم، ونصادر أرضكم، ونهودها، ونمزق أوصالها....الخ مع تعهد بمواصلة التفاوض ووعد بتحويل "السلطة" إلى دولة!!
من حينه، على الأقل، باتت "السلطة الفلسطينية"، (فما بالك بعد انقسامها، عام 2007)، "سلطة بلا سلطة"، وأصبح مسعى تحويلها، بالتفاوض، إلى دولة محض خيال، حيث تأكد، بما لا يقبل مجالاً للشك، أن قادة إسرائيل لم يتخلوا عن مسعى تحويل فلسطين إلى "دولة يهودية كما هي انجلترا انجليزية، وكما هي هولندا هولندية"، حسبما دعا، في ثلاثينيات القرن الماضي، ثاني رؤساء الحركة الصهيونية، حاييم وايزمان. وقد جاء فشل مفاوضات "كامب ديفيد"، 2000، حول "قضايا الوضع النهائي"، ليقطع الشك باليقين، وليزيد احتقان الفلسطينيين احتقاناً، حتى صارت شرارة واحدة كافية لاشعال حريق في "السهل كله". وقد كانت زيارة شارون الاستفزازية لباحات الأقصى، عام 2000، هي الشرارة القابلة للتجدد طالما أن استباحة الاحتلال الشاملة لفلسطين، أرضاً وشعباً وحقوقاً ومقدسات وموارد وكرامة، قائمة، فما بالك بعدما أصبحت استباحاته فاشية صريحة على يد حكومات نتنياهو الاستيطانية منذ نهاية العام 2008؟!
