جدل السياسة والأخلاق والطبقات

حجم الخط

صحيح أن الرجل يواصل ضرب "حبيبته" وصفعها واغتصابها... لكنه في ذات اللحظة لا يتوقف عن إلقاء قصائد الغزل عليها وهي تمسح الدماء والدموع عن وجهها.

المتابع للكثير من الكتابات والمقالات السياسية والإعلامية والاجتماعية ومن يستمع أيضا للخطابات السياسية في هذه الأيام، سيلاحظ وبسهولة ظاهرة مثيرة للانتباه، وهي إغراق تلك الكتابات والخطابات في المفاهيم والمقولات الأخلاقية...إلى الدرجة التي تجاوزت معها السياسة ذاتها لتصبح نوعا من مواعظ أخلاقية في السياسة... وكأن حشد القيم والمفاهيم الأخلاقية المجردة في المقال أو الخطاب السياسي يعطي الكاتب أو المتحدث طاقة سحرية على وعي وحل المشاكل والتناقضات السياسية والاقتصادية والاجتماعية...وبالطبع دون إثارة حفيظة أحد.

بل حتى إن الدول التي تغزو شعوبا تقع على بعد آلاف الأميال تبرر ما تقوم به، بحيث تسقط مع صواريخ "التوما هوك" المجنحة والقنابل العنقودية وقنابل "اليورانيوم المنضب" والفوسفور الأبيض "سلة" مليئة ب"الفواكه الأخلاقية" من نوع الدفاع عن حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية وغير ذلك من الشعارات.

ليس هذا فحسب، بل وأيضا الاحتلال الكولونيالي الإسرائيلي الذي شرد بالحديد والنار60% من الشعب الفلسطيني واحتل بيوته وأرضه ومسح عن وجه الأرض مئات المدن والقرى الفلسطينية .. ويمارس كل انواع القتل والاعتقال والحروب ضد الشعب الفلسطيني مستخدما أكثر الأسلحة فتكا...يغطي كل ذلك بطبقة من "شكولاتة الأخلاق"... مثل الدفاع عن القيم الديمقراطية وقيم العالم الحر والتحضر ... 
وكذا أيضا أكثر الأنظمة تخلفا ورجعية تبرر بدورها سياساتها الموغلة في التخلف والاستبداد بطبقة من "سكر الأخلاق" مثل الدفاع عن القيم والتقاليد والدين وأصالة المجتمع ومنع خدش الحياء العام وحماية الشرف من الانحلال والعهر... وغير ذلك
كما أن كل نظام سياسي رجعي ودكتاتوري يقدم نفسه على أنه حامي حمى العروبة والانتماء والمروءة .. مع أن معظم الأنظمة العربية تابعة سياسيا واقتصاديا للدول المانحة... فيما داخليا تسود وتهيمن وتقود طبقة السماسرة والقوادين والفاسدين والبيروقراطيين التافهين...
وحتى بالمعنى الفردي فإن الكثير من السياسيين العرب قادر على أن يحدثنا سنة كاملة عن الأخلاق والقيم والشهامة والمروءة.. مع أنه لا يتردد لحظة في نهب ما تصل إليه يده من ثروات الشعب... ويرفع يده موافقا وبلا حياء على كل اتفاقية ترهن الوطن بثرواته البشرية والاقتصادية والطبيعية للدول والشركات الأجنبية... 
نعم نقرأ ونسمع كل هذا... "فتتفتح في أعماقنا ألف زهرة".. بأن أيام الفرح والسعادة... أصبحت في اليد... فقط تبقى مشكلة واحدة "بسيطة" جدا.. وهي أن جميع هؤلاء الوعّاظ لا يقولون لنا كيف ستتحول تلك المواعظ الأخلاقية في السياسة والاقتصاد والثقافة والإعلام والسلوك الاجتماعي إلى ممارسة وواقع!؟
ولماذا لم تتمكن كل تلك المواعظ منذ الأنبياء الأوائل وما بعدهم من فلاسفة ومفكرين ونساك.. من إنهاء ظواهر القهر والاستعباد والحروب والفقر والظلم السياسي والاجتماعي والجنسي والعنصري والاستغلال الاقتصادي والفساد والنفاق... وغير ذلك من مظاهر الإسفاف الأخلاقي السياسي والاجتماعي!؟ 
في الحقيقة إن عدم تناول هذه الإشكالية وتجاوزها يعكس معضلة منهجية في التفكير... وقد أذهب أبعد من ذلك وأقول إنه يعكس معضلة أخلاقية.. كون هذه المقاربة العامة تؤدي إلى تزييف الوعي... وتمويه التناقضات وتعويمها... وبالتالي إشاعة الوهم بإمكانية التغيير الاجتماعي والسياسي من خلال المواعظ الأخلاقية.
في ضوء هذا الواقع الملتبس.. يصبح من الهام والضروري التوقف ولو قليلا عند هذه الظاهرة... ومقاربة مفهوم الأخلاق وتحديد دورها ووظيفتها وقدرتها على الفعل في الواقع السياسي والاجتماعي... وشروط ذلك.
يعتقد البعض، وربما كثيرون، أن الأخلاق هي مجرد مفاهيم معنوية وقيمية عامة.. أي مجرد قيم روحية، يكفي تردادها وتكرارها والتأكيد عليها كي نواجه ونزيل تناقضات ومشاكل الواقع والهبوط الأخلاقي... بل وهناك من يربط الأخلاق بالجوانب والتصرفات الاجتماعية المتمحورة على مفهوم "الشرف" الذي يجري اختزاله عادة في قضايا المرأة والجنس، مع هوامش أخرى تشمل الكرم والشهامة والشجاعة والصدق وغير ذلك.
إذن ولكي نفهم، ولو بصورة سريعة، طبيعة الإشكالية قيد البحث، من الضروري الوقوف أمام مفهوم الأخلاق. وهنا سنلاحظ، كلما تعمقنا في البحث والنقاش والتدقيق، كيف سيبتعد ويفترق فهمنا ووعينا للأخلاق تبعا للزاوية الاجتماعية الاقتصادية التي ننظر منها ونقف عندها... فالأخلاق كمنظومة تتحدد بناء على الواقع الاجتماعي والطبقي المحدد، وأيضا بناء على الخصوصيات الحضارية للجماعة البشرية المحددة في كل مرحلة تاريخية بعينها... 
يوضح الأستاذ حسين علوان حسين في مقالة له بعنوان "الماركسية والأخلاق" أهم المنطلقات والأسس التي تحكم تعريف الأخلاق في الفكر الرأسمالي... يقول: "يقصد ب(الأخلاق) أو (المنظومة الأخلاقيّة) (ethics) ذلك الحقل الدراسي الذي يختص بالنظريات والممارسات الفعلية التي تبحث في: (الكيفيّة التي ينبغي على البشر أن يعيشوا فيها)، وهو يُعنى بالمُثُل العليا (morals) ) وبالحقوق (rights). وتنقسم منظومة الأخلاق إلى قسمين: أخلاقيّات (الفضيلة) (virtue)، وأخلاقيّات (الواجب) (duty). تبحث أخلاقيّات الفضيلة في الأجوبة عن السؤال: (كيف يمكن للإنسان أن يكون فاضلاً؟)، وهي تتطلب من الفرد أن يستبدل بالسؤال: (هل يصح أن أتبّع رغبتي هذه؟). سؤال: (هل يصح للإنسان الفاضل أن تتملكه مثل هذه الرغبة؟). أما أخلاقيات الواجب، فتهتم بتحديد المعايير التي تجيب عن السؤال: (ما هو التصرف الصحيح الواجب عليَّ إتّباعه في هذا الموقف أو ذاك؟). والمثال التقليدي لأخلاقيات الواجب هو مبدأ (المنفعيّة) (utilitarianism) السائد في النظام الرأسمالي، والذي هو الموضوع الرئيس لغالبيّة النقاشات الدائرة بصدد الأخلاق في هذا النظام." ( حسين علوان – الماركسية والأخلاق – الحوار المتمدن – 2013).
هذا العرض الكثيف الذي يقدمه الأستاذ حسين يوضح النظرة والمقاربات السائدة حول الأخلاق في الفكر البرجوازي... 
فبما أن الموقف من الأخلاق يعكس في العمق موقفا اجتماعيا طبقيا... بالتالي من الصعب الحديث عن الأخلاق بالمعنى المجرد... فالأخلاق هي منظومات ومفاهيم وسلوك نضج وتبلور في التجربة الاجتماعية.. وذلك بهدف ضبط العلاقات والتناقضات بما يحفظ تواصل وانسجام الجماعة البشرية وبما لا يتناقض مع مصالح الطبقة المهيمنة.
يمكن توضيح المقصود بهذه المسألة من خلال الأجابة على السؤال المحوري التالي: هل المنظومات الأخلاقية هي ذاتها عند الجميع؟ وما الذي يجعل هناك فروقا جذرية في تعريف وممارسة الأخلاق عند هذه الجماعة البشرية أو تلك... هذه الطبقة أو تلك؟.
يشير الأستاذ حسين علوان بدقة لهذه الإشكالية قائلا: "عندما يبشر أساطين الرأسمالية بالمُثل الأخلاقية فإنهم بالتأكيد يستثمرون هذه المُثُل ذريعة لتمرير مصالحهم الأنوية بالتظاهر المنافق بأنهم إنما يبتغون الصالح العام أو منفعة البشر. هنا تتحول المُثل الأخلاقية إلى وسيلة لتزييف الوعي، أي: إلى أيديولوجيا سلبية. ولوعي ماركس التام بكون الوصايا والنصائح الأخلاقية بحد ذاتها لم ولن تفيد في تحرير الإنسان من الاستغلال، ولا في بناء المجتمع المنشود الذي يتيح للفرد الطبيعي أن يطوّر فيه كل قدراته وتحقيق ذاته، نجد أن ماركس يسخر من مثالية وأوهام الفكر الطوباوي للأخلاق، العاجز عن إثارة ردود الأفعال الاجتماعية المطلوبة من أجل التغيير الناجز" (المصدر السابق).
جوهر الفكرة هو أن الأخلاق تصبح أداة للهيمنة الأيديولوجيةعلى الوعي الاجتماعي وتوجيه السلوك نحو مفاهيم وقيم وكأنها خارج نطاق العلاقات الطبقية التي تولَّد القهر والاستغلال والتفاوت كالفطر... هكذا يتم وضع الجميع في سلة واحدة... المستَغِلّ والمستَغَلّ... ." لذا نجد أن النظام الرأسمالي يعطي الأولوية القصوى لأخلاقيّات (الواجب) على حساب أخلاقيّات (الفضيلة)". (المصدر السابق).
من هنا يأتي نقد كارل ماركس الصارم للنزعة الأخلاقية في تحليل ووعي وتحليل الظواهر الاجتماعية والسياسية... وتأسيسا على ذلك كتب ساخرا وهو يصف أوهام دون كيشوت وتابعه سانشو بانزا في رواية (دون كيشوت الشهيرة)" :
"يعتقد صاحبنا المبشر بالأخلاق والبارد الدم سانتشو.. أن المسألة لا تتطلب إلا نمطاً مختلفاً من الأخلاق، وما يبدو أنه نظرة جديدة للحياة، واستنباط بضع أفكار ثابتة من الرأس، ليصبح الجميع سعداء وقادرين على التمتع بالحياة". (الأيديولوجيا الألمانية، 5: 419).
ما يقصده ماركس أن الدعوات والنداءات الأخلاقية المجردة لن تغير الواقع... الذي يحتاج لفعل ومبادرة سياسية وثورة لتغيير العلاقات التي تكرس الاستغلال والفروقات والفقر والجهل... 
لقد فهم الكثيرون وكأن كارل ماركس ضد الأخلاق.. ذلك لأن النظرية الماركسية في التغيير الاجتماعي هي نظرية تقوم على الفلسفة المادية وبالتالي فهي خالية من أي بعد أخلاقي، بينما ماركس في الواقع هو نوذج الثوري الأخلاقي بامتياز.. إنه ضد الأخلاق البرجوازية المجردة والغيبيبة التي تحاول إيهام المجتمع بأن المشكلة مجرد سلوك أخلاقي .. وليس نتاج بنى اقتصادية وسلطة سياسية هدفها تكريس الاستغلال... إنه لم يسقط في مصيدة فلسفة الأخلاق الغيبية الوعظية.. وإنما اندمج في الفعل الثوري والفلسفي والفكري لكي يرتقي بالوعي الاجتماعي والتحريض على الفعل من أجل التغيير الحقيقي.
الفكرة هي أن التغيير ليس مجرد حالة ذهنية أو فكرية.. بل موقف وفعل سياسي مباشر بهدف تغيير البنى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المادية السائدة.. أي البنى التي تولد كل هذا الإسفاف الأخلاقي والثقافي والسلوكي.. فبدون تغيير تلك البنى سيبقى الوعي خاضعا لعلاقات القوة المبنية على السيطرة على وسائل الانتاج... والمستندة إلى العمل المأجور الذي في جوهره استغلال لعرق وجهد وعمر وحياة القوى المنتجة من قبل طبقات طفيلية هدفها أولا وأخيرا الربح وتركيم الثروة... لنتذكر مرة أخرى تقرير منظمة أوكسفام البريطانية لعام 2016 بأن 1% من سكان الأرض يملكون أكثر من 99% ... السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما هي يا ترى المنظومة الأخلاقية التي رافقت وغطت وبررت هذا التوحش الهائل بكل المقاييس؟.
الإجابة الرصينة والعميقة على هذا السؤال هي التي تكشف كيف تستخدم منظومة الأخلاق لتشويه وحرف النقاش والتغطية على علاقات الاستغلال والقهر والظلم.
بمعنى أن تغيير هذه العلاقات اللاأخلاقية في جوهرها ينطلق من تغيير الواقع ذاته... ودور الفكر والأيديولوجيا هنا هو تعزيز هذه العملية الملموسة... أما أن يتحول الفكر إلى عملية وعظ أخلاقي لا تمس الواقع والطبقات المستَغِلَّة... فإنه يصبح في هذه الحالة جزءا من منظومة القهر ذاتها... بهذا المعنى فإن القيم الأخلاقية ما لم تكن قوة فاعلة من أجل كشف الاستغلال والقهر والدفاع عن حقوق ومصالح الناس .. فإنها فقط تعزز الوهم بإمكانية تعميم العدالة وتحقيق الحرية عن طريق الوعظ الأخلاقي.
ولكن كيف سيستقيم مثلا الحديث واللغو عن الأخلاق بدون موقف واضح من الاحتلال والاستغلال والفساد والبطالة والفقر والنهب الاستعماري والظلم الاجتماعي والتمييز العنصري والجنسي والديني... والأهم كيف سيتم كشف القوى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي هي السبب في هذه الاختلالات... بمعنى أن المواقف والقيم الأخلاقية يجب أن تستند بالضرورة لمواقف ورؤية وممارسة سياسة تقوم على رفض ومواجهة القهر والاستغلال... والتصدي للطبقات والنظم التي تمارس هذا القهر والاستغلال.
بهذا المعنى بالضبط يتحدد الموقف الماركسي من الأخلاق... أي أن الأخلاق بذاتها كمفاهيم ليست هي قوة التغيير بل إن الالتزام بالفعل السياسي والاجتماعي لتغيير الواقع هو الذي يعطيه القيمة الأخلاقية الكبرى... التي ستنتج في سياقاتها منظومة أخلاقية بديلة منسجمة مع الواقع الجديد.
هذا بالضبط ما عبر عنه بالضبط كارل ماركس في موقفه من أحداث "كومونة باريس عام 1871 (انتفاضة عمال باريس ضد الأمبراطور نابليون الثالث) ، فمع أنه كان غير متحمس للإنتفاضة العمالية ضد النظام الإمبرطوري الفاسد والظالم آنذاك.. وذلك لتقديره العلمي بأن شروط الثورة لم تنضج بعد.. إلا أنه ما شاهد العمال المنتفضين في الشوارع وبدؤا ثورتهم.. فإن ماركس وانجلز انخرطا فورا في العملية الثورية وقال ماركس كلمته الشهيرة : لقد هبوا (المقصود عمال باريس) ليقتحموا السماء!
هذه هي الأخلاق الثور ية وليس الوعظ الأجوف الذي يواصل الثرثرة عن الأخلاق ولكن بدون جرأة ووضوح في مواجهة أسباب القهر والظلم والاستغلال كعلاقات وقوى طبقية. 
الركيزة الأساسية في الفهم الماركسي للأخلاق بكل تجلياتها.. أنها تأتي في سياق وعي الواقع والعمل على تغييره وفق شروط الثورة العلمية... بناء على هذا الفهم كان ماركس يسخر ممن يعتقدون أنهم بالوعظ الأخلاقي يستطيعون تغيير الواقع وإنهاء الظلم والقهر والاستغلال الطبقي والقومي والاجتماعي... ذلك أن تحديد الموقف والاستعداد للنضال السياسي والاجتماعي يسبق الوعظ الأخلاقي. 
في هذا السياق تصبح الثورة وتغيير الواقع عملا أخلاقيا بامتياز... بينما النظام الرأسمالي بعلاقاته المختلة هو نظام لا أخلاقي وبامتياز أيضا... 
يوضح حسين علوان هذه المسألة بصورة مدهشة حيث يقول: "وعليه، فقد كان تكريس ماركس وأنجلز جلَّ حياتهما ونشاطهما العلمي والتنظيمي لتحرير البشرية من الظلم الاجتماعي للنظام الرأسمالي القائم هو - ذاتياً وموضوعياً - موقف أخلاقي بامتياز، خصوصاً عندما نجد أن لبّ نقدهما للرأسمالية ينطلق من اكتشافهما العلمي بأن من أخص خصائص هذا النظام اللاأخلاقي هو التسبب جبراً في غربة جميع البشر ( عمالاً ورأسماليين ) عن جوهرهم ككائنات اجتماعية، ومَنْعِهم من التفاعل الإنساني بوعي غائي مع المجتمع والطبيعة. ففي مخطوطته المعنونة (التضاد بين رأس المال والعمل) العائدة لعام 1844 (3: 284) يشخّص ماركس أن النظام الرأسمالي ينتج (التفسخ الأخلاقي والتشويه والتبلّد للعمال وللرأسماليين). وفي الأيديولوجيا الألمانية، يشرح لنا ماركس كيف أن نظام الإنتاج الرأسمالي ينتج العامل الذي (يضطلع بدَوْر السلعة)، وأن هذا الدور يحوله إلى (مخلوق فاقد لإنسانيته جسدياً وعقلياً). مثل هذا النقد الإنساني الصريح - وغيره كثير - هو بالضبط نقد علمي وأخلاقي في الوقت نفسه. إنه يستند على مبدأ وجوب تطابق المظهر البشري مع الجوهر البشري لما يسميه ماركس ب (الفرد الغني بالقدرات) (rich individual) عبر إخضاع المجتمع والطبيعة لوظيفة إشباع حاجات هذا الإنسان الغني بالقدرات - كل إنسان - والبحث عن التطور المستدام وغير المحدود للطاقات البشرية باعتباره أعلى هدف أخلاقي للبشر. ومثلما تنتج الرأسمالية أجساداً منكسرة وعقولاُ متبلدة، فأنها تغذي أيضاً السلوك الفردي المعادي للمجتمع ككل، وتكبح تطور مشاعر التضامن الاجتماعي للبشر (كمخلوقات من نوع واحد ) species-beings))، بتحويلهم إلى (ذرّات) متشيئة ومتنافسة وأنانية لا هم لها غير مصالحها الذاتية، وليكن من بعدها الطوفان.".
هذا الاستشهاد الكثيف يبين وبدقة علمية جوهر ومنطلقات الأخلاق في الفكر البرجوازي، الذي يتعامل مع الإنسان كموضوع للإستغلال والسيطرة والتسليع.. المقابل البعد الأخلاقي الماركسي الذي يخضع كل شئ لمصلحة اإنسان وتلبية حاجاته بعيدا عن علاقات الاستغلال والقهر الطبقي... 
بهذا المعنى يصف ماركس هذا التضاد في المنظومة الأخلاقية للمجتمع البرجوازي كما يأتي تحت عنوان (المتطلبات البشرية وتقسيم العمل تحت سلطة المِلْكية الخاصّة) (1844) قائلا:
"يجب عليك أن تجعل كل ما تملك قابلاً للبيع، أي: مفيداً. فإذا ما سألتَ عالِم الاقتصاد السياسي: (هل أكون ملتزماً بقوانين الإقتصاد إذا ما كسبت المال عن طريق عرض جسدي للبيع بتسليمه لشبق إنسان آخر؟.. أم أنني لا أكون ملتزماً بتلك القوانين إذا ما بعت صديقي (عبداً) للمغاربة؟) عندئذ سيجيبني عالم الاقتصاد السياسي بالقول: (إنك لم تتجاوز بهذين العملين على قوانيني، ولكن راجع ما يقوله ابن عمّنا (الأخلاق) وابن عمّنا (الدّين) بصددهما. أما منظومة أخلاقي الاقتصادية وديني الاقتصادي، فلا يؤاخذانك عليهما بشيء). ولكن بمن ينبغي لي أن أؤمن الآن: بالاقتصاد، أم بالأخلاق؟ إن أخلاق الاقتصاد السياسي هي الامتلاك، والعمل، والبخل، والتقشف - ولكن الاقتصاد السياسي يَعِدُني بتطمين حاجاتي، وأخلاقيات الاقتصاد السياسي هي الوفرة في الضمير الخيِّر، وفي الفضيلة. ولكن كيف يتسنى لي أن أحيا فاضلاً إذا ما تعذّر عليّ أن أحيا أساساً (قوانين النظام الاقتصادي تفرض عليّ الموت من الجوع إن لم أبِع نفسي)؟ وكيف يتأتى لي أن امتلك ضميراً خيِّراً إذا كنت جاهلاً بكل شيء (قوانين النظام الاقتصادي تفرض عليّ الحرمان من العلم)؟ إن من أخص طبائع الاغتراب هو أن كل منظومة تطبِّق عليَّ مسطرة مختلفة ومتضادّة: مسطرة للأخلاق، ومسطرة أخرى للاقتصاد، وكلتاهما تكرّسان غربة الإنسان، وتركّزان على فصم نشاط حيوي أساسي، وكلتاهما يقف على علاقة فصامية مع الآخر؟ وهكذا، فإن السيد ميشيل شيفالييه (ويرمز لمُثُل الفضيلة) يوبِّخ ريكاردو (و يرمز لقوانين الاقتصاد) لكون الأخير يتجاهل المُثل الأخلاقيّة. ولكن كل الذي يفعله ريكاردو هو أنه يسمح للاقتصاد السياسي بأن يتكلم بلغة الاقتصاد نفسها. فإذا ما كانت هذه اللغة لا تنطق بالأخلاق، فإن الذنب في ذلك ليس هو ذنب ريكاردو. فمثلما كان السيد شيفالييه لا يضع بعين الاعتبار الاقتصاد السياسي كلما انهمك في الوعظ الأخلاقي، فإن عليه فعلاً وبالضرورة أن يتجاهل المثًل الأخلاقية عندما يمارس الاقتصاد السياسي.
إن العلاقة بين الاقتصاد السياسي والأخلاق - إن لم تكن علاقة اعتباطية ومشروطة، أي بلا أي أساس ولا أي علمية، وإذا لم يتم عرضها من أجل المظاهر، بل يُراد لها أن تكون جوهرية - لا يمكن إلا أن تكون بصيغة العلاقة التي تربط قوانين الاقتصاد بالمنظومة الأخلاقيّة (و ليس بالعكس). فإذا لم تكن هناك مثل هذه العلاقة، أو إذا كانت الحالة هي بالعكس، فهل بمقدور ريكاردو تفادي ذلك؟ وعلاوة على هذا، فإن التعارض بين الاقتصاد السياسي والأخلاق ليس إلا تعارضاً سطحياً، بل هو في الواقع ليس تعارضاً أبداً بمعنى المعارضة، كل الذي يحصل هو أن الاقتصاد السياسي يعبر عن القوانين الأخلاقية على طريقته الخاصة". (إنتهى نص ماركس).
إذا ما فهمنا جوهر جدل الاقتصاد – السياسة – المجتمع – الأخلاق كما شرحه بجمال ودقة كارل ماركس أعلاه... حينها يمكن أن نعود لنقيم ما نسمعه من كتابات وخطاب سياسي يفيض علينا صباح مساء من كل وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية.. حيث يغرقنا الساسة بأحاديث "الواجب والشرف والقيم والعدالة والوطن والمواطن"... 
نقول لهذا السيد "السياسي المحترم"، الذي يجلس على قمة الهرم.. حسنا يا سيد ما دمت تعي كل ذلك، وما دمت مسكونا بالشرف والفضيلة والواجب لهذا الحد.. لم لا تتفضل لتقوم بواجبك الوطني والإنساني بإنهاء الظلم والاستغلال والقهر ... سيقول ذلك السيد: حسنا.. ولكني أقول لكم وأعيد أن المشكلة ليست في الواقع وليست في الطبقات كما تتوهمون... المشكلة هي في رؤوسكم ووعيكم وبسبب أخلاقكم.. كونوا محترمين ومؤدبين... ولا تذهبوا بعيدا فتلك العلاقات هي معطى طبيعي من الله أو الحياة... المشكلة ليست فيها... 
هكذا هي المعادلة أن الواقع بطبيعته جيد! ولهذا لن ينبس هذا من الساسة ببنت شفة بشأن ناهبي كدح القوى المنتجة.. وكيف يغرقون الناس بعلاقات اقتصادية تصب نتائجها في جيوب حفنة من الطفيليين... 
سيقول مرة أخرى وبدهشة: آه... هي قوانين السوق... يعني الشاطر يكسب... 
هل هذه هي الأخلاق التي يجري الحديث عنها؟!
خلاصة القول... أن كل الأحاديث عن الأخلاق والفضيلة والواجب بدون تحديد وبدون مضمون سياسي واجتماعي وبدون الاستعداد للفعل من أجل تغيير العلاقات التي تولد كل أشكال الهبوط الأخلاقي من نوع: الكذب والنفاق والنهب والسمسرة واستغلال الآخرين... وتحويل الإنسان والجسد والجمال وحتى الأخلاق إلى سلع بقيم تبادلية وفق قوانين السوق الوحشية (الشاطر يكسب).. فإن كل اللغو عن الأخلاق هو مجرد وسيلة لتكريس الواقع... لا أكثر... 
بالضبط هكذا يمارس السياسيون الاستغلاليون والطبقات المهيمنة الأخلاق... إنهم مثل ذلك "العاشق" بالضبط : صحيح أنه يواصل ضرب "حبيبته" وصفعها واغتصابها... لكنه في ذات اللحظة لا يتوقف عن إلقاء قصائد الغزل عليها وهي تمسح الدماء والدموع عن وجهها... فالحب كقيمة شيئ وضرب حبيبته شئ آخر... ولا علاقة لهذا بذاك... لا تناقض... هكذا هي تجليات الأخلاق في كل نظام سياسي اقتصادي اجتماعي يقوم على الاستغلال والقهر الطبقي.