«الأستاذ».. حصلة موهبة وتجربة

حجم الخط

عن عمرٍ تجاوز ال90 عاماً، كرس نحو 70 منها لخدمة مصر والأمة، رحل محمد حسنين هيكل. غاب الأستاذ، السياسي، والصحفي، والكاتب، والمؤرخ، مهموماً، يؤرقه سؤال «مصر إلى أين؟»، ولو شئنا تكثيف مقومات قامة الأستاذ الكبيرة، لقلنا: موهبة وعمر مديد، صقلهما وشحذهما، قلماً وذهناً ورؤية ومواقف، زمن النهوض والتحرر الوطني والقومي. كان ذلك زمناً مصرياً، وبالتالي عربياً، نهضوياً، امتد من بدايات عشرينات حتى أواخر سبعينات القرن الماضي، وشاع فيه وتعمم، بتدرج وتراكم، الاهتمام، والانخراط، في القضايا الكبيرة، وفي مجالات الحقل العام كافة. بكل ما يقتضيه ذلك، من تنمية، نظرية وعملية، للمؤهلات والقدرات والمواهب، من خلال سعة الاطلاع وعمقه، وحب المعرفة وتنوعها، وهما صفتان لازمتا الأستاذ هيكل، كمثقف عامل في الحقل العام، منذ كان صحفياً مبتدئاً حتى رحيله. إنه الزمن الجميل الذي قيل فيه، عن حق، «يُكتب الكِتاب في مصر، ويُنشر في لبنان، ويُقرأ في العراق».

وإذا ما أردنا تحقيب الأحداث الكبيرة، التي في معمعانها انصقلت موهبة الأستاذ هيكل، وتطورت، فلنقل: بعد أربع سنوات على ثورة 1919 التي أنجبت استقلال مصر، تفتحت عيناه على الحياة. ومع ولوجه سن الشباب المبكر كانت ميادين مصر من أقصاها إلى أقصاها تهتف: «الشعب مع سعد»، أي زغلول مؤسس الوطنية المصرية ودستورها الحديث، مقابل هتاف «جماعة الإخوان المسلمين» الناشئة، آنذاك: «الله مع الملك»، الذي راهنت عليه «الجماعة»، وطلبت منه، إعلان نفسه «خليفة للمسلمين»، بعد تفكك نظام «الخلافة العثماني. بكل ما خلقته تلك الثورة من مفاعيل وديناميات ومحركات، بفضلها تبلورت هوية المصريين الوطنية الحديثة، وتماسك نسيجها المجتمعي، ووحدة مكوناتها التي ظل هيكل من أكثر المدافعين عنها، والداعين إلى الحفاظ عليها، وتعزيزها، وتطويرها، وضبطها بتعزيز ودمقرطة المواطنة الحديثة التي تحول دون اختراقها أو تفتيتها، أو تهديد سلطتها ومنازعتها، بسلطات هويات ما قبل، وطنية، دينية كانت أو طائفية أو مذهبية أو جهوية أو.... إلخ، حيث كان لافتاً تحذيره المبكر، قبل سنوات طويلة، من مخاطر صعود حركات الإسلام السياسي في مصر، وباقي الأقطار العربية، وبروز تشققات في لحمة الوحدة الوطنية، خصوصاً لناحية العلاقة بين المواطنين المسلمين والأقباط.

لكن من كانوا في السلطة، لم يسمعوا، ولم يأخذوا على محمل الجد، تحذيرات الأستاذ، وسواه من كبار المثقفين الوطنيين والقوميين المصريين والعرب، حتى وصلت مصر وأقطار عربية أخرى، إلى ما وصلت إليه، من تصحر وتجريف ثقافي وسياسي وحزبي وإعلامي وفني وتعليمي، لدرجة أن يصبح اختيار الناخب المصري، مثلاً، في انتخابات ما بعد ثورة 25 يناير، بين مرشحي المدرسة الإخوانية ومرشحي المدرسة السلفية الجهادية، بل وصارت المدرسة البنلادنية ثم المدرسة الداعشية، جزءاً من المشهد السياسي العربي، بل وبات البعض، من العرب والعجم، يستثمر فيها، ويستخدمها، لحدود اعتبارها مدارس للثورة، وبناء الديمقراطية، أيضاً!

وفي شبابه، وفيما كان يخطو الأستاذ خطواته الأولى نحو عالم الصحافة، وقعت نكبة فلسطين، التي غطى أحداثها، وتأثر بها. وهو ما أضاف لثقافته ورؤيته الوطنية والقومية بعداً جديداً، عمق لديه قناعة أن دفاع المصريين عن فلسطين هو دفاع عن مصر، كما قال هو يوماً، وأن خط الدفاع عن مصر في الوادي يبدأ في بلاد الشام، بكلمات جمال حمدان. وهذا ما سيصبح، لاحقاً، ركيزة أساسية من ركائز مشروع الراحل عبدالناصر لعلاقة مصر بالعالم والمحيط، بعد ثورة 23 يوليو التي بنت على إنجازات ثورة 1919، وأضافت أبعاداً جديدة للوطنية المصرية، فكانت الحدث الأهم، والأكبر، والأكثر تأثيراً، في تطوير عناصر رؤية هيكل الفكرية والسياسية والاجتماعية. حيث تبنى، وأسهم في تطبيق، مشروعها الوطني والقومي الطموح، لتعميق العروبة السياسية، وتبني قضايا الأمة، والدفاع عنها، وتحمل أعبائها، وأولاها قضية فلسطين، وتكريس الديمقراطية الاجتماعية ببرنامجيْ الإصلاح الزراعي والقطاع العام، واستكمال الاستقلال والسيادة الوطنيين، وتسريع عملية التحديث والتنمية بالتصنيع المدني والعسكري، وزيادة المدارس والجامعات والمعاهد التطبيقية، ونشر التعليم والعلاج المجانييْن، وانتشار النوادي الثقافية في أرياف مصر، وإنهاء انكفاء مصر، ومد تأثيرها، بالقوة الناعمة، وأخذ موقعها، ولعب دورها، عبر بناء سياسة خارجية، عمادها العمل في ثلاث دوائر، هي العربية، والإفريقية، والإسلامية، وصولاً إلى المساهمة في تأسيس، وقيادة، منظومة دول عدم الانحياز، أو ما يسمى بلدان العالم الثالث. وكل ذلك في إطار القناعة المشتركة بين الأستاذ هيكل وقائد تلك الثورة، وزعيمها، المرحوم الرئيس عبدالناصر، حول أن مصر مؤهلة، بوزنها الديموغرافي، وموقعها الجغرافي الاستراتيجي، وحضارتها العريقة، للعب دور رائد وقائد لأمتها، وأن هدف إحباط كل محاولة للعرب لإقامة دولتهم كأمة، هو هدف رئيسي وثابت لدول الاستعمار والسيطرة الغربية القديمة، التي ورثت قيادتها، عن بريطانيا العظمى، الولايات المتحدة، بعد الحرب العالمية الثانية، وأن هذا الهدف لا يتحقق إلّا بمنع نهوض مصر التي، إن قامت قام العرب، وإن نامت نام العرب.

بقي القول: كتب كثيرون عن هيكل في حياته، وبعد وفاته. لكن، كي لا يجهلنَّ أحد على أحد، فلنقل: لأن اسم الأستاذ هيكل ارتبط، أساساً وجوهراً، باسم الزعيم الرئيس عبدالناصر، اتصالاً باقتناعه بمشروعه، ودفاعه عنه، فبداهة أن يحضر تأييده لتطبيقات عهد عبدالناصر لثورة 23 يوليو، في كل ما كُتب، وما سوف يُكتب، إيجاباً أو سلباً، عن هذا الأستاذ الذي غاب، لكنه سيظل حاضراً في حياة المصريين والعرب، حاله حال الزعيم عبد الناصر، فكلاهما، اجتمعت فيه أشياء، أعطته خصوصية غير قابلة للتكرار.

وأخيراً، لئن كان نقد الأستاذ، سلباً، مشروعاً، فإن اتهام البعض له بكاتب سلطة، قبل رحيله، وفي يوم وفاته، هو اتهام كيدي، وأبعد ما يكون عن الحقيقة، لأن الرجل ترك السلطة منذ خلافه مع السادات حول معاهدة السلام مع إسرائيل، بل، ودخل السجن، أيضاً.