المرأة كوحدة بيولوجية متميزة عن الرجل تستطيع أن تلعب دورا تقدميا بارزا في مراحل التحول التي تمر بها حاليا بعض بلدان العالم الثالث النامية فليست هي كما حاول البعض من مروجي الثقافة البرجوازية الرجعية أن يصورها مجرد مخلوقة وديعة تود أن تحب فقط بفضل ما زودتها طبيعتها الإنسانية من غرائز تشتمل على قسط كبير من النزعات العاطفية ذلك أن الأساس الرئيسي الذي قامت عليه هذه الأفكار وغيرها من المقولات التي تحجم حركة المرأة في المجتمع وتقلص من دورها الحضاري هو الأساس البيولوجي للإنسان والذي يقوم على الفوارق البيولوجية بين الجنسين وهي فوارق على كل حال تصلح لتفسير طبيعة النزعات النفسية لكل من الرجل والمرأة على السواء وما بينهما من اختلافات تمليها رغبات الحياة الاجتماعية ومشاكلها لكن الوصول بهذه الفوارق إلى حد القناعة بأن تفوق الرجل بما يمتلكه من مقومات جنسية وشعور المرأة بهذا التفوق هو الذي يدفعها لتجميد موقفها من قضايا الوجود الاجتماعي فهذا شيئا نما يراد به في الحقيقة انشغال المرأة عن قضايا المجتمع بحجة البحث عن حل لمشاكلها الذاتية التي أوقعها فيها تكوينها البيولوجي .
يقول ( فرويد ) صاحب نظرية التحليل النفسي في حديثه عن سيكولوجية المرأة أن تفوق الرجل على المرأة حضاريا في الزمن القديم والعصر الحديث على حد سواء مرجعه إلى تفوق الرجل جنسيا على المرأة والى هذا التفوق عزا ( فرويد ) غيرة المرأة من الرجل وانتفاضتها على وضعها الحضاري الاجتماعي ومطالبتها بالتحرر والمساواة .. إن هذا الزعم الذي يسوقه ــ فرويد ــ وغيره من المفكرين البرجوازين ينطوي على التزمت والتعصب خاصة إذا جاءت هذه الأفكار مرتبطة بموقف تحليلي للحضارة والدين والأخلاق وبالنسبة للدين فقد كان بعده وهما وهو سيختفي لا محالة بعد التطور الهائل في مكونات الحضارة وسيصبح العقل هو البديل لأنه سيتخذ أي العقل المنطق سبيلا إلى المعرفة أمد الحضارة فهي تسير في خط مواز لقمع الرغبات الغريزية فتقدم الحضارة لا يعني مزيدا من الفرصة لتحقيق سعادة الإنسان بل يجد المرء نفسه مندفعا إلى إشباع حاجات بديلة كالجنس والتدخين والخمر فإذا انتقلنا إلى الأخلاق وجدنا أنها تقوم على الحب وكل حب فيما يقرر هو جنس لكن تطور المدنية أوجد نوعا من العادات والقيود وكانت هذه الأشياء الأخيرة بمناسبة قيود إضافية على الرجل والمرأة وعلى الحياة الجنسية برمتها غير أن المرأة تبقى مشكلتها الحقيقية في وضعها البيولوجي فلا بد أذن أن تكيف نفسها على النحو الذي أرادته لها طبيعتها الإنسانية والتنازل عن دورها الحضاري كاملا بحجة تفوق الرجل المطلق !!
بيد أن البحث في ماهية هذه المشكلة يكشف عن أنها غير موجودة أصلا على الأقل فيما يتعلق بالمرأة الشرقية فمن الخطأ تقييم حياة الإنسان وفق منطق جنسي صارم فالإنسان ليس مجرد حيوان ناطق تسود حياته الغريزة فهناك ترابط عضوي بين الإنسان والواقع وهو ليس منفصلا في تصرفاته عنه بل أن فكر الإنسان وما يحمله من انشغالات واهتمامات هو انعكاس لهذا الواقع هو الممكن الوحيد في صورة ما إذا كانت هناك مشكلة حقيقية للمرأة وقد دلت الدراسات النفسية الحديثة على أن المرأة في معظم النواحي البدنية بخلاف القوة العضلية لا تختلف كثيرا عن الرجل بل قد تفوقه في بعض القدرات بما تنطوي عليه من شعور أكثر حساسية وتفوق في القدرة الحدسية وقد حدث في عصور التاريخ القديمة أن تبوأت المرأة مكانة اجتماعية ممتازة حينما تهيأت لها من ظروف حضارية معينة بل وصل الأمر الى حد انتساب الأبناء اليها وما كان يحدث هذا لولا ممارسة بعض الأعمال الهامة التي كانت تقوم عليها دعائم الحياة البدائية الأولى ... إن تطور الحياة الاجتماعية من مرحلة إلى أخرى وما ينشأ عن هذه المراحل من علاقات اجتماعية واقتصادية هو الذي يعجل باتخاذ موقف حاسم في قضية المرأة
والضرورة تقتضي اكتشاف قدرة الإنسان التي تقوم عليه بناء هذه العلاقات , وهنا يبدو المعني الحقيقي لمطلب حرية المرأة أي حينما تتيح لها التحولات الاجتماعية والاقتصادية في أي مجتمع نام وفق ظروف موضوعية الإنعتاق من حياة التحجر والتقوقع والأوهام والانتقال إلى حياة مكشوفة من خلالها تمنح المرأة الثقة والعلم والقدرة على العمل , فالحرية المطلوبة ليست مجرد حرية فردية للمرأة كإنسانة لها طموحات ورغبات ذاتية فقد تم لها ذلك وبنسب متفاوتة في بعض البلدان وارتفعت عن مستواها الدوني وأشبعت حاجاتها الضرورية , بل وقد أشبعتها في أنانية مفرطة في بعض الأحيان , لقد كان أحد مساوئ النظام الرأسمالي في الغرب الاستعماري هو طمس المعنى الحقيقي لمطلب حرية المرأة ففي الوقت الذي أشبه هذا النظام نزعة التحرر والانطلاق عند المرأة الغربية ونمى فيها روح الأنانية والركض وراء الموضة والتقليعات في الوقت الذي فعل ذلك منعها من المطالبة بحقوقها الاقتصادية وبطش بها وإهدار كرامتها حين تساوت مع الرجل تماما في عملية الاستغلال البشعة الذي يمارسها هذا النظام بأبشع صوره وقد كان من نتيجة هذا الاستلاب لحق المرأة إن قامت حركات نسائية ثورية أصبحت تعي مطالبها جيدا فلم تعد قضية المساواة مع الرجل في بعض الأشياء هي القضية الأكثر عدالة وإلحاحا فقد تم لها ذلك بل القضية التي أصبحت تناضل من حولها المرأة تتركز في رفع المظالم الاجتماعية التي يفرضها النظام الرأسمالي على الطبقات الفقيرة وعلى الرجل والمرأة سواء بسواء وبذلك تغير إلى حد بعيد مفهوم نضال المرأة الاجتماعي وأصبح بهذا المعنى الجديد جزءا من النضال السياسي والثوري الذي تخوضه بلدان العالم الثالث النامية ضد كافة القوى الرجعية والإمبريالية المعوقة لمراحل التحول الاجتماعي ..
غير أن هذا الوعي المتطور لنضال المرأة وحدوده يمكن أن يكون مقصورا على الطلائع النسائية المثقفة وهي التي لا تتميز عن بقية طلائع المجتمع الأخرى كالطلاب والشباب والشغيلة وهنا يبرز العامل الهام هذا العامل هو الذي يصل إلى إملاء هذا الوعي بمضمونه الاجتماعي التقدمي إلى جماهير النساء وتحريضهن على القيام بأنماط معينة من السلوك الحضاري على كافة الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التربوية والأخلاقية وصولا إلى مجتمع متحرر خال من الأوهام والعقد وكافة المشاكل الوجودية المزمنة .
أخيرا نقول في سياق الحديث عن الدور الحضاري للمرأة وفي مناسبة احتفاء العالم بعيد المرأة العالمي أن المرأة العربية والفلسطينية بصورة خاصة قامت بدورها الكبير في المجتمع على كافة الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ولم تمنع المصاعب الاجتماعية وقسوة العادات والتقاليد من أن تقوم هذه المرأة بهذا الدور المشرف لذلك لا غرابة أن يقبع الكثير من النساء الفلسطينيات في سجون الاحتلال وتمارس وتمارس عليهن أبشع المعاناة اليومية ..
لقد انخرطت المرأة الفلسطينية في الأطر النقابية والجماهيرية والحزبية لمقاومة الاحتلال ولتحقيق المساواة مع الرجل في كافة الحقوق المدنية وللوقوف ضد سياسة التمييز رغم إدراكها لوضعها البيولوجي وجماهير النساء تشكل أكثر الفئات الاجتماعية عددا في مجتمعنا الفلسطيني وليس من المنطقي أن يبقى هذا الوجود الاجتماعي وهذا الانتشار الواسع محصورا في دائرة التزمت والتخلف الحضاري .. ومع استمرار النضال من أجل دحر الاحتلال وإقامة الدولة لابد من تجاوز العقبات التي تحول دون أن تأخذ المرأة مكانها الحقيقي باعتبارها تشكل نصف المجتمع فطريق تحقيق الديمقراطية داخل المجتمع يبدأ أولاً بتحقيق المساواة بين كافة الفئات الاجتماعية دون تمييز ..
