مانديلا ..أهلا بك في فلسطين

حجم الخط

لا ادري كيف اصف مساء  يوم  الثلاثاء القائظ  في السادس والعشرين من ابريل الفائت، حيث تقاطر الفلسطينيون من رام الله والضفة والقطاع ومناطق 48 بشتى الوان طيفهم السياسي والاجتماعي من النساء والرجال والشبيبة وحتى الاطفال بشكل عفوي اذا استثنينا المدعوين الرسميين، الى حي الطيرة غرب مدينة رام الله،  حيث انتصب بعد رحلة عناء في موانئ وعلى حواجز جيش الاحتلال، واقفا كعملاق ذلك المجسم الشامخ للقائد الثوري والرئيس الاسبق الجنوب افريقي نيلسون مانديلا، في موقع متوسط بين دوار الشهيد ياسر عرفات ودوار الشهيد بشير البرغوثي شرقا ودوار الشهيد  د. جورج حبش غربا، مكللا  بستار من قماش شفاف تداعبه الرياح في انتظار ازاحته، إيذانا بتدشين ميدان نيلسون مانديلا وبانتهاء حفل الاستقبال البهيج الذي اقامته بلدية رام الله مشكورة.

وكالعادة اصابنا النحس الذي لا يفارقنا منذ فترة طويلة والمتمثل في ترددنا المزمن وتذبذبنا المستدام، بما يحول دون استكمال عمل نبدأه حتى النهاية، فنفسد في دقائق ما جهدنا فيه شهورا وربما سنينا، إذ عمت المكان فوضى مفاجئة واوقفوا الضيف رئيس بلدية مدينة جوهانسبرغ توأم مدينة رام الله عن استكمال وانهاء كلمته التي جاءت بعد كلمة رئيس بلدية رام الله  المضيف، نوعا من تبادل  الود والاحترام والعزم على التعاون والعمل المشترك، وتوقفت اجهزة الترجمة عن العمل للضيوف الاجانب الذين اصابتهم الحيرة في فهم ما يجري، واقتيد  الضيف المغلوب على امره  نحو  ساحة النصب الكبير ومعه دعيت الصفوف الاولى لاستقبال الرئيس القادم على حين غرة، ومن ثم لحق بهم الحضور دون ان يدعوه احد ومثله هرولت جموع الصحفيين والمصورين يحملون كاميراتهم كي لا تفوتهم اللحظة الاهم، وفي دقائق معدودات ازاح الرئيس الستار وذهب وسط تصفيق من الحضور، الذي علت وجهه ابتسامة ساخرة وهو يسمع من يدعوه للعودة من جديد للجلوس من اجل الاستماع الى بقية كلمة ضيفنا العزيز, فيما احاطت الناس بمجسم المناضل الرمز نلسون مانديلا يلتقطون الصور التذكارية ويرفعون قبضاتهم في محاكاة مؤثرة لقبضته، تماما كما يفعل السياح والضيوف، والمواطنون والشبيبة في مناسباتهم الجميلة في مدينة جوهانسبرغ الجنوب افريقية، شغفا بالقائد الاممي وبالقيم الانسانية الكونية التي جسدها.

 ورغم انني كنت اتمنى ان يولي وجهه وقبضته الواثقة شطر الغرب المطل على الساحل الفلسطيني بدلا من الشمال الذي يطل على الشارع العام، ولربما كان وضع المجسم بهذا الشكل والاتجاه ينطوي على حكمة نجهلها، وهي في الحقيقة لا تغير شيئا من جمال و مغزى ومعنى ان يحط اول تمثال لمانديلا خارج بلاده في فلسطين، راجيا ان لا اكون مفرطا في الاندفاع اذا ما قلت: ان هذا اليوم الذي بدى حدثا ليس رسميا بما فيه الكفاية وافتقر الى بروتوكول رفيع يجاري هيبته، هو يوم مشهود في تاريخ الشعب الفلسطيني بوصفه مؤشرا ورمزا يمثل إيذانا بانتقال مركز ثقل النضال الانساني العالمي ضد العنصرية من جنوب افريقيا الى فلسطين، باعتبار الصهيونية الشكل الاكثر قبحا للعنصرية والأبارتهايد.

حقا، حري بنا ان نشكر بلدية رام الله ورئيسها على هذا العمل المميز ونظيرتها بلدية جوهانسبرغ ورئيسها وشعب جنوب افريقيا البطل وقادته الاوفياء، فلقد زين المناضل الاممي الجنوب افريقي ديارنا ومدينة رام الله المدللة، فما ان أزيحت الستارة عن هذا النصب الشامخ حتى تبدت تلك الابتسامة المشرقة والوجه الاسمر المشع ومن تحته ربطة عنقه الحمراء التي تزين قامة طويلة بستة امتار تعلوها قبضة جبارة واثقة  تعكس ارادة الشعب الموحد المنتصرة التي لا تقهر ولا تعرف الهزيمة، وتذكرنا بشاعرنا الكبير معين بسيسو في نشيده : نعم قد نموت ولكننا .. سنقتلع الموت من ارضنا، أرى قائد الثورة المنتصر .. يلوح لي بيد من حديد وأخرى تطاير منها الشرر.. انا الآن بين جموع  الرفاق اشد الى قبضاتهم قبضتي.. انا الآن اشعر اني قوي وأني سأهزم زنزانتي.

لقد كان رفاقنا الجنوب افريقيين بحضورهم  الظريف خفيف الظل والمتعاون يضفون مزيدا من التضامن والألفة على تلك اللحظة التي قال فيها رئيس بلدية جوهانسبرغ : ان اقامة النصب سيشكل انعكاسا لفترة من الامل عاشتها جنوب افريقيا واعرب عن أمله بان يتمكن شعبنا من الانتصار كما انتصر شعب جنوب افريقيا على العنصرية. هذا فيما بدى فيها الحضور مغمورا بنوع من الفرح والعفوية والطاقة الايجابية التي اشاعها الحدث، فضلا عن الفخر باحتضان نصب المناضل الاممي القائد نيلسون مانديلا، ولسان حالهم يقول: من اجدر من فلسطين ومدنها وساحاتها باحتضانه وباحتضان نصب قادة النضال الثوري والانساني من اجل الحرية والعدالة، فلقد تقاسمنا اخوة وشرف شراكة النضال منذ مطلع القرن الماضي ضد الاستعمار والاحتلال والعنصرية والاستغلال وما زلنا وسنبقى على الدرب.
نيلسون مانديلا الذي قضى سبعة وعشرين عاما في سجون العنصرية رافضا ان يدين الكفاح المسلح الذي بدأه، متوجا وحدة شعبه ونضاله المتنوع الاشكال بهزيمة التمييز العنصري، ومخلفا إرثا تفخر به البشرية جمعاء وقيما كونية تبعث على التأمل والامل والالهام لكل الاحرار، يدعونا للتأمل في تجربته ونضال شعب جنوب افريقيا البطل، ولعله فال خير وبركة على رام الله وشعبنا وفلسطين، التي تزهو باحتضان نصب مانديلا وتتطلع ايضا لاحتضان امثاله من قادة الحرية، أليست فلسطين الثورة والمقاومة "وطن حر لشعب من الاحرار" ._________________________________