أن السياسة هي فن إدارة الصراع ، والعمل السياسي هو فعل إبداعي متميز يفرض على من يمارسه إيجاد علاقة صداميه ما بين الممكن والمستحيل وإدارة هذه العلاقة في إطار الوعي والإدراك السليم للظروف المحيطة ومناخاتها السياسية القائمة ، للدفع باتجاه تغيير الواقع وعدم الاستسلام لسيطرة موازين القوى القائمة فما من ممكن بات ممكناً دون إقدام على تحدي المستحيل وإن مواجهة ما يبدو في لحظة تاريخية مستحيلاً هو الذي يجعل الممكن وقعاً .
والقارئ لسياسات القيادة السياسية المتنفذه بالقرار الوطني يجد ان نهجها السياسي يبنى على قاعدة " السياسة فن إدارة الممكن " وهذا ما يعبر عنه تمسكها بخيار المفاوضات أولا وأخيرا وعدم قدرتها على الاستجابة والتفاعل مع الخيارات الوطنية الأخرى ، الأمر الذي افقدها القدرة على إدارة الصراع مع الاحتلال والاستسلام والمهادنة لموازين القوى القائمة ، واوصلها إلى حالة انسداد افقها السياسي وإدخال القضية الوطنية الفلسطينية في نفق شديد الظلمة ، دفع الاحتلال نحو ارتكاب المزيد من جرائم القتل والاعتقال والحصار والاستيطان والتضييق الاقتصادي وهدم البيوت والتهويد لمدينة القدس ، مستثمراً انشغال المجتمع الدولي والإقليمي في صراعات المنطقة.
بل ذهبت قيادة فريق التسوية في ظل إفلاسها وعجزها السياسي إلى الاستسلام كلياً للرؤية الأمريكية ورهنت نفسها في خدمة رؤيتها التي تخدم على الاحتلال وغطرسته ، وليس هذا فحسب بل انتقلت من موقع الخصم إلى موقع الوكيل للاحتلال ، وهذا ما يفسره إصرارها على تنفيذ ما التزمت به في إطار اتفاق التسوية " التنسيق الأمني " في الوقت الذي يستبيح فيه الاحتلال كل المحرمات والاتفاقيات .
ومع انسداد الأفق السياسية وحالة الإفلاس والسقوط السياسي والوطني الذي تعيشه القيادة السياسية المتنفذه وعدم قدرتها على خلق حالة صدام ما بين الممكن والمستحيل ، جاءت المبادرة الفرنسية لتشكل طوق نجاة وورقة توت لتخفي سوء عورتها السياسية ، حيث سارعت إلى التقاط المبادرة الفرنسية وسارعت نحو التسويق والترويج لها ، رغم كل ما تحمله من مخاطر بين ثنايا عناوينها مخاطر تمس جوهر القضية الفلسطينية وحقوق وثوابت شعبنا ، ولكن أتت الرياح بما لا ترغب السفن ، حيث جاء رفض حكومة الاحتلال للتعاطي مع هذه المبادرة .
وعليه ماذا تبقى لكم ؟؟ هل تبقي هناك أوراق توت على أغصان أشجار مغروسة في ارض أحرقها خريف الاستيطان ؟؟. .
وبعد ما يزيد عن اثنان وعشرون عاماً على قيام السلطة وجولات المفاوضات في إطار ما سمي بالرؤية الأمريكية لحل الدولتين،عاد مشروع التسوية إلى نقطة البداية بالتفاوض من جديد في الصلاحيات الأمنية على الأراضي المصنفة " ا " الخاضعة للسيطرة الفلسطينية نتيجة الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة ،وفي سياق هذه الحالة والمناخات السياسية المحلية والإقليمية
والدولية القائمة وبعد عقود تطل علينا برأسها من جديد مشاريع رفضها شعبنا " الكونفدرالية "و" الدولة ثنائية القومية " ؟؟.
اعتقد في ظل المناخ السياسي السائد في المنطقة والظروف المحيطة بقضيتنا وفشل مشروع التفاوض كخيار وحيد يستوجب على القيادة المتنفذة بالقرار الوطني ان تسعى أولا إلى إعادة الاعتبار لوحدة البيت الفلسطيني على أسس وطنية وحدوية تسهم في ضم كافة قوى وطاقات جماهير شعبنا . والعمل ثانياً على إيجاد صيغة ورؤية وطنية شامله تلتقي عليها كافة القوى السياسية تجيب على أسئلة الواقع وتفتح أفاق أمام تفعيل كافة الخيارات النضالية الوطنية الممكنة والمستحيلة .
إن المنحدر الخطير الذي تمر به قضيتنا الفلسطينية اليوم وغيابها عن أجندات المجتمع الدولي مسألة تستوجب الوقوف إمامها بهدف إعادة الاعتبار للقضية الوطنية الفلسطينية والعمل على رفع مستوى الاهتمام بالقضية الفلسطينية وهذا ممكن تحقيقه حال امتلكت القيادة السياسية الإرادة الوطنية والرغبة في تغيير الواقع في سياق رؤية وطنية كفاحية صادقة .
