تحية إلى ثالثهم أحمد. ثلاثة رجال ولم تَبْتلِعهم الخُرافة بعد. أصالة الحرية ورموز التّحرُر الأُممي وأبطال أسطورة آلمطلق، أمميون في كفاحم وهم يخترقون حواجز الزمن. الأوّل ياسوكي (صلاح) والثاني اوكوادير ( باسم ) و ثالثهم كوزو (أحمد). ثلاثة أبطال أتوا من مشارق الأرض إلى وطن لم تنقرض فيها البطولة يوماً، و روح البطولة الجماعية التي تنجب فتياناً جُدُد، حين كسروا معادلة الهوان وذهبوا بكرامة مغسولين بمذاق تلك الحكاية.
تحية الى أول ذكرى ، قبل ٤٤ عاما لم نكن نعرفهم، ولم نسمع بهم ولم نرهم أبداً، ولكن حتماً نُحبّهم ونحاكيهم ونحلمهم. نعرف المثّال والقيم والثورة التي فيهم، ونحن مثلهم تماماً نؤمن بها ونقتدي بها.
هي أول ذكرى لهم نجتمع بهذا الأفق ، بعيداً عن النصب وبحضرة ثالثهم، لنغمس كلماتنا بأسمائهم، لا لنكرمهم فقط بل لنرث عنهم حتميّة أن نعيش مكانهم.
تحية إلى الاحتياط رقم واحد، ثلاثة رجال وصلوا بأوقات مختلفة، غرق أحدهم في عملية تدريب بحرية فاستدعي الاحتياط رقم واحد على عجل وكان اسمه: كوزو أكوموتو، وبعدها سافر كل واحدٍ منهم إلى بلد أوروبي مختلف، ثم التقوا وعبر رحلات متعددة ووسائل سفر مختلفة إلى مكان الانطلاق. جلسوا على مقاعد متباعدة في متن الطائرة .
ساعة الوصول إلى مطار اللد، في تمام التاسعة وخمسة وأربعين دقيقة مساءً. الهدف، اغتيال العالم في السلاح البيولوجي أهارون كاتزير، وهو شقيق افرائيم كاتزير الذي صار في العام (1973) رئيساً للكيان. "باتريك اورغويللو" كان اسم العملية وأمر المهمة: الانتقام لتدمير طائرات شركة طيران الشرق الأوسط في مطار بيروت، والإمضاء الإبداعي بالحبر السّري كان للعقل المدبر د. وديع حداد..
تحية إلى كوزو الفلسطيني رقم واحد، يوم ظلت القنابل تحاور الزمن، ينهمر رصاص كوزو ليعزف النشيد الوطني ويسهم في صناعة الحق الأزلي والحلم بالعدل وبالحرية. يكز على أسنانه كي لا تنفذ من جعبته الذخيرة وحتى لا يستعيد تاريخ الفشل، في عقيدة الساموراي الفشل يعني الموت.
متجاوزاً عشوائية الرّاهن، يستمد قدسيته من كونه وطناً لمن يكتبه ويمْتشقه كالصباح. فلسطين علمتنا أن الأكثر جدارة بهويتها من يقاتل لأجلها أكثر، وهو جديرٌ بفلسطين لأنه يقاتل لأجلها، منذ أن تعمقت فيه وعياً وقناعة. فقط لا يستحقها من يغادرها ويغدرها.
مدرسة الحكيم تعلمُنا درسا يقول: إنّ دائرة الصراع مستمرة طالما هناك احتلال، فنحن في سجال لم ولن يتوقف. بعد ٣٥ سنة اعترف العدو، أن اغتيال غسان كنفاني كان رداً على عملية مطار اللد، الصراع سجال مستمر، حين صار الأمين العام أبو علي مصطفى شهيداً. كان الرد بقتل العنصري زئيفي، وصار أحمد سعدات الأمين العام أسيراً .
واليوم في حضرة من قضى في زنزانة الفاشيست عمراً ، كان يقرأ بلاغه ويكتمل"إنّني جندي في الجيش الأحمر الياباني أحارب من أجل الثورة العالمية، أقاتل مع الجبهة الشعبية وإذا متّ سأتحوّل إلى نجم في السماء".
تحيه إلى أحمد الياباني: كوزو أكوموتو العربي، الرفيق الساموراي الأحمر، سليل الكاميكاز، الشاب الطالب في كلية علم النبات، كان يومها عمره ٢٤ سنة، ابن مدير مدرسة، ومن عائلة ميسورة الحال، يؤمن بأنه دون الثورة يتحول العالم إلى منفى. لأنّها الثورة نقيض الشعور بالنفي أو الاغتراب عن واقعنا وأنفسنا وبلادنا . كوزو الإنسان يبحث عن الحريّة مقاوماً ضد الظلم والظلام والظلامية، كما بحث عنها تشي جيفارا في غابات أميركا اللاتينية.
تحية لمن انتزعت حريته بوضعه في الرقم واحد على جدول التبادل بعد ١٣ عاماً من التعذيب النفسي والجسدي نال الحرية بعملية "الجليل" التي قامت بها الجبهة الشعبية / القيادة العامة في العام ١٩٨٥، وسنوات صراع مريرة بين قبضة الجلاد لتفريغه من إنسانيته وتدمير ذاكرته وإحساسه بالزمن . المقاومة الذاتية وابتدعنا لها مواصفات حصرية جديدة في معركة التحدي نحو استعادة ذاته ككائن حي، وكيف نجعله يتصرف كالإنسان، ما هي وظيفة حواسه؟ وأطرافه ؟ يديه ورجليه؟ وكيف يقتنع أنه ما يزال إنسانا..!؟
والى اللاجئ السياسي رقم واحد، نذكر بمحبة هذا اليوم كل أصدقاء وأحبة كوزو وكل الذين وقفوا دفاعاً عن أصالتهم وانتمائهم يوم أودع كوزو السجن وفي لبنان عام ١٩٩٧ وبتهمة دخول البلاد خلسة مع خمسة من رفاقه، وعام 2000 نال حريته من جديد كأول لاجئ سياسي في لبنان.
وإلى المنتصر الأول على ذاته، آخر مرة كان يجثم فوق هيكل رخامي في مقبرة الشهداء في شاتيلا الذي يرمز للعملية وهو يقدم شهادة ميلاده الجديدة، برفقة باقات الزهر ورائحة أعواد البخور. ختم كلمته برفع قبضته إلى الأعلى وصاح:" أيها الرفاق كوزو سيبقى يحارب معكم ضد "إسرائيل". بعد هذه الكلمات أدركنا أنه لم يولد فقط وإنما عاد إلينا محرراً من الموت.
تحية إلى الظّل الأول، لقد انتصر كوزو على المستحيل وفك قيده الداخلي، لغز هذا الرجل أنه يهلك ولا يهزم ! ومعنى الهزيمة بالنسبة إليه تكون حين يقتنع بأن اليأس حقيقـــة، انتصر على الاستسلام بهدوئه وبابتسامته التي لا تفارق وجهه، وبالرفاق الذين رافقوه كظل واحتضنوه كطفل كبير، فكانوا أسرته وقت أوجاعه ونوباته، وفرحوا بكل خطوة جديدة تضاف إلى حياته، وظله الأول والدائم الذي كلما ابتعد عنه يوماً وقسراً تقرأ ذلك في تقاسيم وجهه ودمعات عينيه .
تحية إلى المقاوم الأممي الأول كوزو، نبي الحلم الجميل وهو يتنفس فلسطين دماً وكفاحاً ووجعاً وسجناً وزنزانة وقمعاً ومخيماً وحرية وحلماً ، يؤكد لنا هويته بكل حواسه وبكافة العيارات والمعايير، وتكفيه منّا زهرة فلسطينية من جنون ما تبقى من هذه الأرض، ونعلقها عربون حب وتحية مجد للبطولة بلا حدود وللكفاح الأممي ضد الظلم العالمي، ولعنفوان هذه الإرادة الأسطورية والصلبة .
شرّفنا حضوركم ومشاركتكم وكلماتكم وأشعاركم والفيلم المبدع الذي يختصر الكثير، هو تعبير عن أصالتكم بالتمسك بجوهر الصراع الذي تمثله فلسطين، والوفاء للحق التاريخي غير القابل للنقصان أو المراوغة.
هناك الفرح كان أُمميا بامتياز أشبه بكرنفالٍ مدهش ذات مساء بمدينة تون ، فرقة تحتفل بسقوط النظام، صدفة نسمع أغنية تصدح في فضاء المكان ونحن نعبر الطريق، وعرفنا أنها من كلمات للشاعر الشهيد مختار اللغماني (الذي قُتل تحت التعذيب في السجن بتونس ) تقول:
أوكاموتو/ أحبّك يا أوكاموتو/أحبّك يا أخي الإنسان/ولستَ أخي في الدين/ولستَ بقارئ القرءان/ ولستَ من "خير أُمّة قد أُخرجت للناس"
فحين حُبول البركان/ تذوبُ جميع الأجناس../وتسقطُ كلّ الأديان!
سقطت كلّ التيجان!../مات أبطال الرّوم/ ومات أبطال اليونان/ ومات عنترة وعليُّ ابن السلطان/ مات جميعُ الأبطال../وما زال الإنسان!
وأخيراً...كوزو ، اسم ورمز وذاكرة نقول له: نحبك ثانيةً وثالثةً... ودائماً.
