بأي قياس فقدت 30 يونيو/حزيران زخمها الذي صاحبها قبل ثلاث سنوات؟ هناك من يعزو التراجع الذي لا يمكن إنكاره إلى تفكك «كتلة 30 يونيو»، غير أن القصة أكثر تعقيداً من تلخيصها في كلام بلا قوام سياسي مقنع.
ما المقصود بالكتلة؟ وما أطرافها الرئيسية؟ كيف التقت ولماذا انفصلت؟
تلك أسئلة ضرورية حتى لا يفلت الكلام من أي منطق. تعبير الكتلة نفسه لا يتسق مع حجم التظاهرات التي لا مثيل لها في التاريخ المصري.
عندما نتحدث عن عشرات الملايين التي خرجت للشوارع يصعب الحديث عن كتلة أو جبهة بقدر ما يصح الحديث عن قوة الإرادة العامة في طلب التغيير.
مثل هذه الأحداث الكبرى تحتاج إلى «كتلة حرجة» لكنها لا تلخص فيها.
الكتلة الحرجة تعبير عن خلل موازين القوى بصورة تفضي إلى قلب المعادلات جذرياً. حركة المجتمع الفوارة بأثر ثورته في «يناير» هي التي وفرت الكتلة الحرجة التي جرت وراءها كل قوة ضاربة في المجتمع من طبقة وسطى مدنية بمستوى اطلاعها على عصرها إلى جماعات الشباب والمثقفين والإعلاميين والسياسيين.
نظرة واحدة إلى مواضع التظاهرات تكشف الخسارة الفادحة التي منيت بها الجماعة في المناطق الحضرية الأكثر تقدماً وتعليماً بمعايير التنمية البشرية. وقد تحملت جماعات الشباب المسيس القسط الأوفر من فاتورة المواجهات مع ميليشيات الجماعة من دون أن تجني شيئاً في نهاية المطاف.
كان اعتصام المثقفين قبل يونيو/حزيران مباشرة، إشارة قاطعة إلى أن كل شيء قد انتهى. في العادة لا يتفق المثقفون على رأي، لكنهم إذا ما أجمعوا فإن التاريخ يتغير.
لم يخطط أحد لبناء كتلة حرجة تستقطب الرأي العام خلفها، توازن جماعة الإخوان المسلمين وتطيح بها بعد عام واحد من تقلدها سلطة الرئاسة.
لقد فشلت كل محاولات بناء جبهة واسعة تضم القوى والأحزاب المدنية في خضم «ثورة يناير» والانتخابات النيابية التي لحقتها. كانت هناك منازعات في الشوارع، وصدامات على صورة المستقبل بعد صعود الجماعة، غير أنها لم تأخذ طابعها الصفري إلّا بعد الإعلان الدستوري في نوفمبر/تشرين الثاني 2012.
بموجب الإعلان الدستوري خوّل الرئيس الأسبق، محمد مرسي، نفسه من دون أدنى حق صلاحيات مطلقة تخالف ما انتخب على أساسه. كانت تلك نقطة الفراق التي لا لقاء بعدها.
تحت الصدمة أعلنت مجموعة من الأحزاب والشخصيات السياسية عن «جبهة إنقاذ وطني» تتصدى لانتهاك القيم الدستورية والديمقراطية وتمنع التحول إلى دولة دينية تخاصم ما تطلعت إليه ثورة «يناير».
بتداعي الحوادث اكتسبت «جبهة الإنقاذ» صفة العباءة الوطنية الواسعة التي تبلورت حولها كتلة التغيير الحرجة وتحركت تظاهرات الغضب. كل ما كان يتحرك غاضباً في الشارع وجد فيها المظلة السياسية التي يقف تحتها.
قوة الجبهة تبدت في فكرتها كإطار وطني جامع لا في بنيانها التنظيمي، فلم يكن هناك بنيان تنظيمي يعتد به. بحكم التكوين الداخلي كادت عوامل التنافر تغلب ضرورات التوحد في مرات عديدة.
لم تكن هناك جبهة متماسكة، لا على مستوى البرامج والرؤى، ولا على مستوى البناء الداخلي، ولا على مستوى التفاهمات بين أقطابها. بمعنى آخر لم تكن هناك جبهة حقيقية. الذي أبقى عليها قوة الرهان العام.
كانت تلك فرصة نادرة في التاريخ للانتقال ب«الجبهة» من ضرورات اللحظة إلى رؤى المستقبل.
لم يكن «الوفد» حزباً تقليدياً بقدر ما كان غطاءً سياسيًا للوطنية المصرية في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، ونداءات حق تقرير المصير.
بذات القدر كانت أمام الجبهة فرصة مماثلة لإثبات جدارتها بمهام طلب التحول إلى دولة مدنية ديمقراطية حديثة، وهو صلب ما دعت إليه 30 يونيو، غير أنها أهدرت بفداحة.
كانت قمة المأساة انهيار «جبهة الإنقاذ» في لحظة إمساكها بمقاليد أول حكومة بعد 30 يونيو.
لم تجتمع الجبهة مرة واحدة للبحث في ترتيبات السلطة الجديدة، ولا في صورة المستقبل وخياراته الرئيسية، ولا إدارت أي نقاش داخلي بشأن الدستور ولجنته التي ضمت عدداً كبيراً من الأحزاب والقوى المنضوية فيها.
ورغم أن منسقها العام الدكتور محمد البرادعي، تولى منصب نائب رئيس الجمهورية للشؤون الدولية، وقاد عملياً جانباً كبيراً من تشكيل الحكومة الجديدة التي ضمت، إضافة إلى رئيسها الدكتور حازم الببلاوي، نحو تسعة وزراء آخرين، إلّا أنه لم يحدث أي تنسيق من أي نوع وبأية درجة على أساس الانتماء لجبهة واحدة.
بدا كل شيء مفككاً على نحو ينذر بإخلاء المجال العام من أية قوة سياسية كبيرة قادرة على إلهام الرأي العام وقيادته. الرهانات كلها أثبتت فشلها الذريع، وأدت النتائج إلى ضرب صميم مشروع 30 يونيو. علت أصوات ادعت أنها قادت الثورة الثانية، ولم يكن ممكناً لها أن تقترب من أسوار حزب الوفد، حيث اجتماعات «جبهة الإنقاذ» التي احتضنت كل القوى الفاعلة. اصطنعت نفس الأصوات تناقضاً بين «يناير» و«يونيو»، شهرت بالأولى كأنها «مؤامرة» وحاولت اغتيال شخصية كل من شارك فيها.
اصطناع التناقض أفقد «يونيو» جذر شرعيتها.. وبتفكيك «جبهة الإنقاذ» أصبح الطريق خالياً لكل ادعاء ينسب فعل الثورة إلى خيالاته، وإفساح المجال لكل من يطلب تصفية الحساب مع «يناير».
كانت تلك الخطيئة الأولى في قصة ما جرى.
