مشعل (شربل) خيطان الهلسا: النجم الأردني الذي كان يسافر كل ليلة من جبال الكرك إلى فلسطين!

حجم الخط

في ذكرى رحيلة 6 تموز (نُشِر هذا النص في 6 تموز عام 2014)
قالوا: أكتب عنه شيئا... فقلت: صمتا! فالكتابة عن الشهداء كالصلاة... تحتاج هدوءا... وخشوعا... وقلما يرتل فجرا: *ن والقلمُ وما يسطُرُون*.
أيها الموت قف بأدب واحترام في حضرة الوفاء والوضوح، فعبر الغياب نعيد اكتشاف كثافة الحضور.
***
كان اللقاء بين وضوح الرمح ومرونة الخيزران ورهافة الياسمين مدهشا وهي تتعانق في رجل واحد. 
المكان: بلدة حمود الغافية على أكتاف الكرك بكل بهائها ورونقها وفضائها الممتد... جبال تمتد جنوبا جنوبا وترحل شمالا شمالا، ومن هناك حيث هي تميل على ضفائر أختها الساهرة غربا على مسافة آهة وجرة ربابة تسري مع الليل لتلاقي همس الحصادين والفلاحين على ضفتي النهر الراحل جنوبا عبر الليل ... ذات الهواء وذات الماء وذات اللغة وذات الأم وذات الأرض والصخور والجبال... هنا، بالضبط هنا، في قرية حمود حيث يقيم الله بكل بساطته ولد مشعل، تذكروا الاسم جيدا: مشعل الخيطان الهلسا (شربل)، قيل بأن ذلك كان في كانون الأول... شهر المطر والرعود والبروق والعواصف...وكان ذلك أيضا بعد النكبة العربية الفلسطينية بعام... ها نحن يا مشعل نؤرخ لميلادك بنكباتنا... فاعذرنا... فأنت ابن اللحظة... 
لم يكن هناك ما يثير الدهشة أو الغرابة في طباعك وسماتك وسلوكك، ذلك لأنك الابن الأصيل للسياقات التي أنجبتك، فبئرك الأولى هي الأصل والفصل، تلك البئر التي تقع عند الحد الفاصل ما بين الصحراء والجبال المقمرة الصاعدة نحو المستحيل ... بئر الوضوح والتأمل والرهافة والقوة والبأس وكرم الروح... وأيضا الضحكة الصافية والعين التي تنظر في العين مباشرة... فليس هناك ما يستدعي النظرة المواربة أو المراوغة... هكذا تُربى الكرك أبناءها وبناتها منذ بدأ الكون... أليس كذلك!؟. وهذا ما ترضع به امرأة كركية تعصب رأسها بجمال مشرق على طريقة الأمهات البدويات في بلادي أطفالها وهي تفيض قوة وحنانا وكرامة... ألم تكن كذلك!؟.
الصحراء والجبال وصلاح الدين وجرح يضئ أفق الكرك الغربي تلك هي الخافية العميقة في روح ذلك الرجل المتمرد أبدا... فهناك بين أغمار القمح ورائحة البيادر وصهيل الخيل ولدت روحه ... ففردت جناحيها وحلقت ما شاء لها الله في جهات الكون الأربع... كانت ترحل وتعود إلى ذات البئر، لا تخونها ولا تنساها ولا تساوم عليها... في أدائها صلابة الصخر وفي سلوكها رهافة الشعر... أما الدمعة فقد كانت حاضرة كما البسمة. 
انتماء فطري وقدرة أصيلة على حسم الخيارات، كنت مدهشا في عمق الوعي وبساطة الحياة وانسجام كل ذلك مع السلوك اليومي... ذلك لأن من كانت قلعة صلاح الدين ملاعب صباه لا يمكن إلا أن يكون عربيا أردنيا بالطبيعة...هكذا! ومن تعوّد كل يوم على وداع آخر شعاع للشمس وهي تغيب مغتسلة في بحر فلسطين لا يمكن إلا أن يكون عربيا فلسطينيا بالطبيعة أيضا... نعم هكذا!
لكل هذا، كان مشعل الخيطان الهلسا أردنيا وفلسطينيا وعربيا وإنسانا... كان مقاتلا استثنائيا، يحمل فكرته ويقاوم، يقف دائما عند خط الواجب الأول، كشجرة باسلة تغرس جذورها في رمال الصحراء وتقاوم، لا ينتظر شيئا... يواجه الموت ويتحداه حتى بالبسمة ان استدعى الأمر ذلك، وهذا ما كان... لكل هذا كان الصغار يحبونه ويحترمه الشباب ويخشاه الكبار.
يقول شقيقك الصديق ضرغام "نعم يا رفيقي الرجال الرجال يبقون في الذاكرة أحياء ما دام فعلهم مستمرا باجيال تؤمن بقيم العدالة والصدق في الأداء وعنوان سلوكهم الوفاء، أرى ذلك بشادي وعمرو اللذين ولدا قبل رحيلك بأيام، وبغيد وزين وبنات بنت العمة وفاء، فلا زلن يخربطن بالأسماء، وكلنا بالنسبة لهن عمو مشعل". 
هو الواقع هكذا يا مشعل، ذلك لأنك تجاوزت دائرة المألوف إلى مستوى الفكرة التي لها مجالات تأثيرها وقوتها السارية والجاذبة وفضائها الممتد... لهذا صرت جزءا من الوعي والذاكرة، كما صرت مقياسا لمحيطك الاجتماعي... تلك إذن ليست "خربطة" في الأسماء أيها الصديق ضرغام بل حضور بهي للرجل الفكرة... فعبر الغياب نعيد دائما اكتشاف كثافة الحضور. 
لا أدري يا مشعل، يا شقيق الروح ما هي وظيفة الحدود بيننا... كيف نَمَتْ نباتات الخيزران والبوص على ضفتي نهرنا الواحد فحجبت الرؤية واللقاء... ولا أدري كيف أصبحت تلك المسافة التي لا تتعدى مسافة النداء ما بين جبال الكرك وجبال القدس شاسعة إلى هذا الحد!!! لا أدري لِمَ تكسر المسافات قلوبنا هكذا... أجلس مساء عند حد الصحراء الغربي وأنظر نحو الشرق فتتلامع أضواء الكرك في الأفق البعيد... فتنحدر دمعة بدون قصد... هناك لي أهل ورفاق وأصدقاء... يا الله كم هم بعيدون... وكم هم قريبون...!
ماذا تريد مني أن أقول في ذكرى رحيلك أو حضورك لا فرق؟ فأجمل ما فيك يا صديقي هو كُلُّك، أجمل ما فيك هي تلك المعادلة الهائلة التي ابدعتها فكانت أنت، هكذا ببساطة... أنت أنت بكل ما فيك: فأنت حمود، وأنت البدوي، وأنت المسيحي، وأنت الكركي، وأنت الأردني، والفلسطيني والعربي واليساري والأنسان، والأخ والعم والخال والزوج والصديق والرفيق... فما أجمل (وفي ذات اللحظة ما أصعب) أن لا تتناقض كل هذه الأبعاد في ذات الإنسان الواحد...ذلك لأنك يا مشعل أو يا شربل ولدت بوضوح، وعشت حياتك بوضوح ، ورحلت أيضا بوضوح... فماذا تريد أكثر من ذلك أيها الرجل؟ ليتنا نرحل مثلك!.