تركيا ما بعد محاولة الانقلاب

حجم الخط

محاولة الانقلاب في تركيا هي، بحد ذاتها، ورغم إحباطها، حدث سياسي تركي و«شرط أوسطي» كبير، لن يكون ما بعده مثل ما قبله. أما أن تتهم تركيا جماعة الداعية الإسلامي فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة بتدبير هذه المحاولة، فينذر بتوتر غير مسبوق بين أنقرة وواشنطن، وبتوسيع دائرة استدارة تحالفات تركيا الإقليمية والدولية التي بدأت قبل وقوع محاولة الانقلاب. فاتهام جماعة غولن ينطوي على اتهام غير مباشر لواشنطن بأنها كانت، في الحد الأدنى، على علم بمحاولة الانقلاب. هذا هو معنى كلمات رئيس الحكومة التركية: «إن استمرار حليفتنا الولايات المتحدة في احتضان غولن يحولها إلى دولة معادية لتركيا». علماً أن تركيا سوف تفكر مطولاً، سواء بقيادة أردوغان أو بقيادة غيره، في أمر أن تدفع التوتر الحاصل مع واشنطن إلى حالة عداء، اتصالاً بأن تركيا عضو مهم في الحلف الأطلسي، وبأنه لا يوجد لديها توجهات جدية للانسحاب منه، ما يعني أنها لن تتجاوز حدود ما تسمح به هذه العضوية.

ويزيد الأمور تعقيداً التوتر الحاصل، والمرشح للتوسع، بين تركيا ودول الاتحاد الأوروبي، (التي عارضت، خلافاً لواشنطن، الانقلاب قبل ثبوت فشله)، وتركيا على خلفية إعلان الأولى نيتها تفعيل عقوبة الإعدام، لدرجة أن تعلن المستشارة الألمانية، ميركل أنه «لا مكان في الاتحاد الأوروبي لدولة تطبق حكم الإعدام»، بينما رد أردوغان بالقول: «إن العالم ليس الاتحاد الأوروبي»، لكن ما ينبغي الإشارة إليه، هنا، هو أن تركيا، سواء بقيادة أردوغان أو بقيادة غيره، ستفكر ألف مرة قبل أن تغامر بدفع هذا التوتر مع دول الاتحاد الأوروبي، إلى أقصاه، لأن ذلك يكلفها فك اندماجها في المشروع الأوروبي، خصوصاً لناحية تشابك مصالح رأس المال التركي الصاعد من الباطن مع مصالح رأس المال الأوروبي المسيطر.

الإشارات السريعة السابقة مهمة للقول: من الاستعجال والتسرع بمكان القول إن الحالة في تركيا استقرت تماماً. فحتى وإن كان من السابق لأوانه التعرف، بدقة، إلى دوافع الانقلابيين، فإن من المشكوك فيه، (على الأقل)، أنها كانت دفاعاً عن علمانية تركيا وديمقراطيتها، أو أنها كانت ضد السياسة الخارجية التركية القائمة تجاه أزمات دول المنطقة، وأزمات دول المشرق العربي خصوصاً. أي إنه من المشكوك فيه أن تكون أهداف الانقلابيين هي نفس أهداف أحزاب المعارضة التي تمثل قطاعات شعبية واسعة ومتنوعة، تتطلع، وتناضل، بوسائل ديموقراطية سلمية، لتغيير سلطة نظام الحكم القائم الذي تسارعت، في السنوات الأخيرة، تجلياته الأمنية.

هنا يتضح كم كان من مصلحة الشعب التركي وشعوب المنطقة اشتمال معارضة الانقلاب على أنصار الحزب الحاكم، وأنصار أحزاب المعارضة، والناس الذين تحدوا نظام الأحكام العرفية التي أعلنها البيان الأول للانقلابيين. أما عدم إجماع الجيش على فكرة الانقلاب، فقد لعب الدور الحاسم في الحيلولة دون إغراق تركيا في بحر من دماء أبنائها، بكل ما يحمله ذلك من تداعيات وارتدادات ونتائج كارثية، بكل ما للكلمة من معنى، على عموم دول المنطقة. لذلك كله، وليس دفاعاً عن حزب «العدالة والتنمية» الحاكم وزعيمه الرئيس التركي أردوغان، فلنقل: إن إحباط هذه المحاولة الانقلابية يصب، بلا شك أو ريب، في مصلحة تركيا، الدولة والمجتمع والشعب، وفي مصلحة دول المنطقة وشعوبها، عموماً، إذ علاوة على أنه ينبغي رفض مبدأ الاستيلاء على السلطة بوسائل عسكرية، فقد كان من شأن نجاح الانقلاب أن يعيد تركيا إلى عهد حكم الطغم العسكرية، وأن يدفع، (وهنا الأهم)، حالة الفوضى وعدم الاستقرار السائدة في المنطقة، وفي دول المشرق العربي خصوصاً، إلى درجات يصعب معها التنبؤ بعواقبها.

لئن كان ما تقدم هو المدخل الصحيح لقراءة محاولة الانقلاب الفاشلة، وهو، برأيي، كذلك بامتياز، فإن أول ما ينبغي أن يُرى من دلالات يتمثل في وجود مزاج تركي عام، في الدولة والمجتمع والجيش، يناوئ عودة تركيا لعهد الانقلابات العسكرية، لكن هذا لا يشكل أساساً كافياً لاستقرار تركيا وتجاوزها لتداعيات أزمة محاولة الانقلاب الفاشلة، إلا إذا تضافر مع تخلي حزب «العدالة والتنمية» الحاكم بقيادة أردوغان عما ترى فيه شرائح واسعة من الأتراك خللاً في سياسة الحزب الخارجية: الانتقال من سياسة «صفر مشاكل» مع دول الجوار، والعربية منها خصوصاً، إلى سياسة مغامرة تسببت بخلق مشاكل معها جميعاً، وفي سياسته الداخلية: فتح جبهة مع الأكراد، وموجة العمليات الإرهابية، والمحاولات المتلاحقة لتقليص الحريات العامة، وتشديد القبضة الأمنية، وسياسات التعبئة والتحريض الشعبوية الفاشلة والفاقدة للحس التاريخي السليم. فمحاولة الانقلاب دقت ناقوس الخطر، وأظهرت أن ثمة خطايا، داخلية وخارجية، ارتكبتها، في السنوات الأخيرة، سلطة أردوغان، واستغلتها المجموعة التي قامت بمحاولة الانقلاب، وجعلتها تعتقد أن قطاعاً واسعاً من الأتراك سوف يدعمها. ولعل في لجوء حزب «العدالة والتنمية» إلى قراءة مغايرة ما يرجح احتمال إطالة أمد حالة الفوضى وعدم الاستقرار السائدة في تركيا ودول المنطقة، عموماً، بل، وما يهدد باحتمال إزاحته من السلطة، أيضاً. إذ صحيح أن إحباط محاولة الانقلاب يسجل لمصلحة هذا الحزب، لكنه يسجل، أيضاً، وبصورة أكبر، لأحزاب المعارضة التي وقفت، (بما فيها حزب «الشعوب الديمقراطي» الممثل للأكراد)، إلى جانبه في الدفاع عن ديمقراطية تركيا، ورفض عودتها إلى الانقلابات العسكرية، ذلك رغم خلافاتها الجوهرية مع سياسته الداخلية والخارجية.

إحباط المحاولة الانقلابية يصب، بلا شك أو ريب، في مصلحة تركيا، الدولة والمجتمع والشعب، وفي مصلحة دول المنطقة وشعوبها.