بلال وانتصار الجماعة

حجم الخط

جهز بلال نفسه تماما كي ينعم بحرية بعد خمسة عشر عاما من الاعتقال، وجهزت امه كل ما يقتضي لاستقبال عائد من غياهب السجون الى فضاءات الحرية والامل... كل شيء كان جاهزا لاستقباله حرا وعريسا في نفس الان، لكن فاشية الاحتلال وحقده افسدت ولو مؤقتا كل الخطط التي فكر بها بلال، ورسمتها والدته القوية، حين حوله للاعتقال الاداري، بقرار سريع، لم يستكن بلال الى لعبة الاحتلال السخيفة باطالة امد سجنه من خلال الاعتقال الاداري الذي يجمل في طياته امكانات التمديد واللعب بالمشاعر والاعصاب، فكان ان اعلن اضرابه عن الطعام وهي خطوة سبقه اليها عديد من اسرى شعبنا، كخطوة فردية تحملوا مسؤوليتها، اما خطوة بلال هذه المرة فكانت مختلفة  فاذا كانت البداية قرارا فرديا، فانها لم تستمر كذلك، وكان اول المتضامنين معه رفاقه ضمن افواج متعاقية وفي حركة مدروسة تحاول استعادة الفعل الجماعي للنضال الاضرابي في المعتقلات، وهنا جوهر التميز في معركة بلال، هي ان بلال لم يكن وحيدا، بل كان معه اضافة للاخوين البلبول واسرى آخرين كيان منظم ومنضبط داخل السجن هو تنظيم الجبهة الشعبية في معاقل الاسر، والذي تحرك سريعا من رأس الهرم ممثلا بالامين العام احمد سعدات مرورا بقيادة فرع السجون، وكوادر واعضاء من الجبهة.

هذه الحركة اربكت الاحتلال الذي تعود الاضرابات الفردية، وهذا الارباك جعله يتدارك الامر برغم المكابرة التي كانت تظهر في الاعلام، الا ان محاولات الضغط عليه وكسر اضرابه كانت شديدة ومحمومة، ليس لان قضيته فردية وخاصة فحسب، بل لان تحركا جماعيا مدروسا رافقها حيث استشعرت ادارة السجون خطورة امتدادها وتعميمها.

نقطة أخرى من دروس اضراب وانتصار بلال، وهي حركة التضامن خارج حدود فلسطين، حيث ظهر وكأن الجبهة الشعبية استعادت حيوية علاقاتها مع حركات تقدمية عالمية في اوروبا وغيرها، والتي بينت ان هناك من يراهن على العلاقة مع شعوب العالم ويستطيع تحريكها، هنا تثبت حركة التضامن مع بلال نجاعتها كحركة المقاطعة بالمراهنة على التكوينات الشعبية، لا ضغط الدبلوماسية الرسمية، وهذا درس آخر على الحركة الوطنية الفلسطينية ان تستوعبه وان تعيد النظر في اشكال علاقتها مع الحركات الشعبية في العالم، وبما يعطيها الاولوية، فالدبلوماسية الرسمية باتت عبئا على قضيتنا، في حين ان التضامن الشعبي قدم نتائج عظيمة باتت تقلق الاحتلال.

هنا تنتصر عقلية الجماعة والعمل الجماعي، وتنتصر المراهنة على الشعوب والصداقات مع هذه الشعوب والتضامن الاممي، وهنا ينتصر بلال، لان جورج عبد الله انتصر له في سجنه، ولان الايرلنديين والايطاليين والفنلنديين وغيرهم عبر عن تضامنهم معه، ولذلك فنصر بلال هو نصر لكل من تضامن معه، وهو نصر يجب ان يفتح آفاقا  ارحب لتنظيم التضامن الاممي مع قضيتنا.

لكن الامر الحاسم هنا كان ارادة بلال وتحديه واصراره، يضاف لها تنظيم الحركة، اما حركة التضامن المحلية فهي لا زالت تحتاج الى تطوير هذا ليس من خبرة التضامن المحلي مع بلال، ولكنه يأتي من خبرة التضامن مع كل الاسرى الذين اضربوا قبله، وهنا تجب المراجعة الجدية.