إنها ليست المرة الأولى منذ انطلاقة حركة المقاومة الفلسطينية المسلحة، التي يتم فيها جدال حاد بين حركة التحرير الوطني الفلسطيني " فتح" البرجوازية اليمينية، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كطليعة لليسار الماركسي في الساحة الفلسطينية، وخاصة في المنعطفات الخطيرة التي كان وما يزال اليمين الفلسطيني الحديث يعرض بسببها القضية والشعب لمخاطر مؤكدة، بسبب سياسات التهادن والتصالح والمساومة مع الأعداء التاريخيين للأرض والشعب وخاصة مع الحركة الصهيونية وكيانها الغاصب الذي زرعته الامبريالية العالمية في أرض فلسطين.
إن الأداء السياسي لليمين ينسجم مع برنامجه الموازي ليس فقط لبرنامج منظمة التحرير الفلسطينية، بل لبرنامج حركة " فتح" نفسها، فهو يفعل ما لا يقول ويقول ما لا يفعل. لهذا السبب ولأسباب أخرى طبعاً لا توجد وحدة وطنية حقيقية على أساس برنامج وطني معادي للصهيونية والامبريالية حده الأدنى التحرير الكامل، ولذا لم ننجح بتشكيل جبهة وطنية متحدة كأداة للتحرير، رغم المحاولات التي بذلتها الجبهة الشعبية وقوى يسارية ووطنية أخرى، وكرس بدلاً منها نمط آخر للعلاقات الداخلية الفلسطينية، أي التعايش الوطني، الذي أيضاً ضُرب بعد تخلي قيادة اليمين نهائياً عن برنامج التحرير الوطني، بتوقيعها على اتفاق أوسلو، الذي أصبح برنامجها وإطار عملها السياسي ودليلها وخارطة طريقها الذاتي "الروابطي" الذي تطلق عليه مزاجياً اسم " دولة" دون أن يسبب ذلك ازعاجاً للطرف المقرر في معادلة التسوية- التصفية أي الصهيونية والامبريالية.
إن بيان اللجنة المركزية لـ"فتح" يدعّي بأن الجبهة الشعبية تطاولت على قائدها ورمزها الرئيس محمود عباس، هل تم ذكره في البيان بصفته الشخصية أم العامة التمثيلية؟. إن النقد السياسي إن لم يرتكز على الأساس وبدايات الخلاف يبقى ناصاً ومجزوءاً حيث أن أكبر " تطاول"، كان، على الميثاق الوطني أولاً، الذي ألغُي جوهره من قبل الموقعين على اتفاق صك الاستسلام للعدو في دورة المجلس الوطني الذي عُقد في غزة عام 1998، وعلى برنامج فتح ثانياً، وكذلك على البرنامج السياسي لمنظمة التحرير ثالثاً.
إن أي شخص يتبوأ منصب عام في أي بقعة من العالم، وفي فلسطين المحتلة وخارجها أيضاً، لا يعود "ملكاً" لحزبه أو لعشيرته بل " للشعب" الذي يدعي أنه يمثله، وبالتالي يحق للأفراد والجماعات والأحزاب أن تنتقده وتنتقد حزبه، الذي يمثل أفكاره، ومن المفترض أنه يعبّر عن برنامجه السياسي، وأن تطالب بمحاسبته وتنحيته أيضاً لأن هذا ينسجم مع أصول اللعبة الديمقراطية، التي تدّعون أنكم جئتم إلى السلطة(الحكم) على جناحيها؟!!.
إن هذا، ليس فقط مسموح به بل واجب ومطلوب. بهذا الفهم، بيان الجبهة الشعبية لم يتطرق للسيد محمود عباس بصفته الشخصية، ولم يتسبب بأي إهانة له، لا أخلاقية ولا عائلية ولا غيرها، ولم " يتطاول" أو "يتحامل" لا على سيادته، ولا على حركة "فتح"، وقيادتها، فلماذا هذه الزوبعة المتحركة بهدوء، والتي تحمل في طياتها رياح أكثر من مسمومة ونوايا مبيتة لا يعُرف حجمها ومداها إلا أصحابها؟.
بيان اللجنة المركزية لحركة " فتح" يتحدث عن أن " هناك توافق مشترك بين الاحتلال وحكومته وبين الجبهة الشعبية"! بخصوص المدني، وهذا يدلل برأي كاتب البيان " على الخطأ الفاحش الذي وقعت فيه الجبهة الشعبية، مما يهدد بانزلاقها إلى منحدر لا تريده لها حركة فتح". ويختتم البيان تهديده مطالباً الجبهة " التراجع عن هذا البيان، وهذا الموقف الذي لا يمكن أن يُساهم في تصليب جبهتنا الداخلية، ويقدم للاحتلال ولأعوانه فرصة ذهبية أخرى لتحقيق ما لن يسمح به شعبنا"!!.
هذا كلام كبير وخطير ولا أدري إذا فعلاً اللجنة المركزية لـ"فتح" ناقشته وأقرته كما هي العادة أم لا؟، بغض النظر عن هذه المسألة، البيان يعتبر وثيقة رسمية تم تداولها محلياً وعالمياً ويحق لأي شخص أن يعطي رأيه بها، وبمجمل الوضع السياسي الفلسطيني الذي نعيش أخطر مراحله.
قبل الدخول في مناقشة تفاصيل البيان، لابد من علاج الموضوع الذي أدى إلى هذا الصدام بين مركز اليمين الفلسطيني " فتح" ومركز اليسار الفلسطيني " الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، أي موضوع التطبيع.
ما هو التطبيع، وما هي أصوله؟ ولماذا الكل الوطني الشعبي، والكل القومي التقدمي المخلص، والكل الأممي المناضل والثوري ضده ومع مقاطعة الكيان ولما ينتج مادياً وروحياً؟.
عندما قرر الرئيس المصري البائد أنور السادات، وعن وعي، الإقدام على ارتكاب جرم الخيانة الوطنية والقومية بزيارته لفلسطين المحتلة، ومصافحة قيادات الحركة الصهيونية الملطخة، من رأسها حتى أخمص قدمها بالدم العربي وخاصة الفلسطيني، والذهاب إلى القدس المحتلة، وزيارة أضرحة المجرمين القتلة الفاشيين الصهاينة، عزُل جماهيرياً مما أدى ببعض الأنظمة أن تنحني، تكتيكياً، أمام الغضب الجماهيري وأن "ترفض" هذه الزيارة. السادات من جانبه " قلل" من أهمية هذا الرفض بحجة أن " أسباب العداء بين الإسرائيليين والعرب هي نفسية " وهو بزيارته "لإسرائيل" أراد أن يكسر هذا الحاجز النفسي؟! لاغياً وبكل عنجهية وبساطة الأسباب الحقيقية للصراع إلا وهي اغتصاب الجزء الأكبر لأرض فلسطين، وبناء كيان متعدد القوميات عليها، واستخدامه كمنصة للتوسع في الأراضي العربية، والاعتداء عليها وعلى شعوبها، ولحماية عملائه من حكومات وأفراد.
فعندما وقّع مع الصهاينة اتفاقيات " كامب ديفيد" عام 1978. أخذ نظام السادات وكل من جاءوا بعده يعملون على قيام " علاقات طبيعية" بين " الشعبين المصري والإسرائيلي" ورصدت مليارات الدولارات النفطية والصهيونية والامبريالية لتحقيق هذا الغرض.
على ضوء ذلك نشأت لجان المقاطعة، ومقاومة التطبيع التي منعت قيام علاقات " طبيعية" بين الشعب المصري الأبي والكيان الصهيوني الغاصب في فلسطين المحتلة، أي لم يتم اعتراف شعبي لا بالاتفاقيات التي وُقعت ولا بشرعية هذا الكيان، مما شكّل ضربة في الصميم لكل مهندسيها ولما سُمي زوراً وبهتاناً بـ"عملية السلام".
إن مصر العربية التي هي من أعرق دول المنطقة والعالم، ولا خطر على وجودها، رغم انبطاح أنظمتها المتعاقبة حتى الآن أمام الصهيونية والامبريالية، لا يوجد فيها ما يُسمى لجنة تواصل مع " المجتمع المدني الإسرائيلي" وما زال المجتمع المصري، رغم بعض الخروقات هنا وهناك، محصناً ومرشحاً لأن يشكّل حاضنة حقيقية للنضال القومي للإطاحة باتفاقية " كامب ديفيد" وأصحابها، ومن يريدون السير على خطاهم، ومنطق التاريخ يفرض على الطرف الفلسطيني أن يشكّل طليعة لهذا النضال برفض شرعية هذا الكيان، لا أن يستُخدم كذريعة لكل متخاذل ومستسلم ومتقاعس.
فكيف يمكن أن " تنزلق" الجبهة الشعبية إلى " منحدر لا تريده لها حركة فتح"؟؟، وهي رافعة رايات النضال وخاصة المسلحة، وتقود مع مناضلين من كافة القوى حركة المقاطعة ومقاومة التطبيع، أي مقاومة ورفض الاعتراف بشرعية الكيان الغاصب؟!، وكيف يمكن لهذه السياسة التي هي بنظر البعض منكم ومن العدو أيضاً أنها " متطرفة وعدمية" أن " تقدم للاحتلال ولأعوانه فرصة ذهبية أخرى"؟!.
متى قدّمت الجبهة أية فرصة للعدو وأعوانه؟ هل في رأيكم عندما أُعدم فدائييها الفاشي " زئيفي"؟ أو عندما رفضت وأدانت محاكمة قادتها وعلى رأسهم أمينها العام في دهاليز محاكمكم بسبب مقاومة الاحتلال والرد عليه بالمثل؟، أو عندما رفض ماردها القائد الفذ أحمد سعدات الوقوف على رجليه لمحاكمهم الفاشية معتبراً إياها غير شرعية لكيان غير شرعي؟، أم عندما نفذت الجبهة حكم الشعب بالعملاء ورموز الحكم الذاتي، وعلى رأسهم ظافر المصري، الذي ذرفتم الدموع عليه، وسرتم في موكب جنازته جنباً إلى جنب مع ممثلين حكومات بريطانيا والولايات المتحدة ومصر والأردن؟ حيث تم وأد مخطط الاحتلال لفرض الحكم الإداري عن طريق روابط القرى قبل الانتفاضة الأولى، مما أعطى دفعة وطنية وشحنة ثورية لانطلاقتها.
إن للجبهة الشعبية تاريخ حافل وحاضر ومشرف، ومستقبل مشرق لا يستطيع أحد تشويهه وخاصة من تلوث باثم التنازل للعدو عن وطن باسم " سلام مفقود" يفقد كل من يستلقي في ظله عفته السياسية ونقاوته الفكرية والأخلاقية.
على ما يبدو، عندما وقعتم على " مبادئ أوسلو" وكافة ملحقاتها العلنية والسرية، وأقلعتم للشاطئ الآخر " أحرقتم سفن العودة" أو أحرقها العدو، وإلا ما معنى قول البعض منكم أن هناك " سلطة بدون سلطة" والتهديدات بحلها ووضع الاحتلال أمام مسئولياته جبهة محتلة دون الاقدام على تنفيذ أيٍ من هذه " التهديدات" ولو بحدها الأدنى؟.
إن التهديد والتلويح مع عدم التنفيذ يؤديان إلى تآكل المصداقية، وفقدان الشعب للثقة بالمسئولين، وبمن هم في موقع القيادة.
نعم، لا يمكن لعاقل ومخلص أن يتمنى الانزلاق في المنحدرات لأيٍ كان من الصف الوطني والقومي، ولكننا لا يمكن أن نصدق تمنيات من تجاوزوا المنحدر وسقطوا في الهاوية إلا إذا كانت تمنياتهم هذه هي بمثابة صرخة لمد اليد لهم لانتشالهم من الوحل للعودة للعب دور أنهاه التاريخ.
( انتهى)
