تصريح الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الأمريكية، مارك تونر (الأربعاء 5 أكتوبر/تشرين الأول الحالي 2016)، أنه على الرغم من الغياب الملحوظ لأي أثر للإدانة الأمريكية الموجهة لسياسات «إسرائيل» الاستيطانية، في ثنيها عن الاستمرار في هذه السياسة المدمرة لآفاق السلام، فإن الولايات المتحدة تحرص على جعل مواقفها تجاه الاستيطان علنية ومعروفة. وأضاف في إطار دفاعه عن موقف حكومته (بصراحة عندما نرى «إسرائيل» تقوم بتنفيذ هذا النوع من العمل - النشاط الاستيطاني الجديد - الذي يتناقض مع الهدف المعلن ل «إسرائيل»، والتزامها بتحقيق هدف ومتابعة حل الدولتين، فإن ذلك يثير مخاوف خطرة، وعلينا أن نقول ذلك سراً وعلانية للحكومة «الإسرائيلية»).
جاء ذلك خلال رده على أسئلة الصحفيين، في أعقاب إصداره بياناً شديد اللهجة، يدين مصادقة حكومة الكيان على بناء وحدات استيطانية جديدة في مستوطنة «شيلو»، وعدم جاهزية الولايات المتحدة لاستخدام ثقلها للتأثير في الكيان.
لعل من الضروري تذكير تونر، بأن مثل هذه الإدانات رغم شدتها اللغوية، لم تمنع أو توقف الكيان الصهيوني عن الاستمرار في إعلانات حكومته، بناء وحدات استيطانية جديدة كل أسبوع، وعلى مدار سنوات طويلة، متحدية كل هذه الإدانات ومتمردة عليها، لذا على الناطق الرسمي باسم الخارجية الأمريكية أن يقرأ التصريحات والبيانات التي صدرت عن الخارجية الصهيونية، وعن المسؤولين «الإسرائيليين» التي رفضت هذا التنديد الأمريكي بالاستيطان، معتمدة في رفضها على مواقف وتصويت الإدارة الأمريكية في كل المحافل الدولية، طوال المراحل السابقة في مجلس الأمن إزاء موضوع الاستيطان.
أيضاً، منذ أقل من شهر، وقع الكونغرس الأمريكي على خطة المساعدات الأمريكية للكيان الصهيوني، البالغة 38 مليار دولار، على مدى السنوات العشر القادمة، ولم تشترط الإدارة الأمريكية لتنفيذ هذه المساعدة وقف الكيان لاستيطانه في الضفة الغربية المحتلة، والانسحاب إلى حدود 4 يونيو/حزيران 1967، والموافقة على إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على تلك الأرض المحتلة، إضافة إلى قطاع غزة. كذلك، لطالما أعلن الرئيس أوباما مراراً أن العودة إلى حدود عام 67 ليست أمراً واقعياً، نظراً للمتغيرات الديموغرافية والجغرافية التي حصلت منذ تلك الحرب.
نذكر الناطق باسم الخارجية الأمريكية، بالاتفاق الاستراتيجي الموقع بين الولايات المتحدة والكيان الذي اعترفت فيه إدارة الرئيس الأمريكي بوش الابن، بأن أمريكا لن تمارس ضغوطاً على «إسرائيل» لقبول حل لا تريده. نذكر أيضاً، بأن اللوبي الصهيوني في أمريكا والتيار الصهيو - مسيحي المساند له، يجمعان مليارات الدولارات سنوياً، لتوسيع الاستيطان، وإقامة مستوطنات جديدة، فهل فكرت مطلق إدارة أمريكية في تجميد هذه المبالغ، لإجبار الكيان الصهيوني على وقف استيطانه؟.
لطالما وعد الرؤساء الأمريكيون منذ عام 2005 (بدءاً من جورج بوش الابن، مروراً بكلينتون، ووصولاً إلى أوباما، الذي سيغادر منصبه قريباً) بأن ذلك العام، وكل عام يليه، سيكون عام إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، القابلة للحياة. مضت الأعوام، وترك الرؤساء الأمريكيون مناصبهم، ولم تقم الدولة، بل زاد الاستيطان الصهيوني. (مصادر إحصائية كثيرة تشير إلى، أن ما بقي حتى اللحظة للفلسطينيين، من أراضي الضفة الغربية، هو بنسبة أقل من 17%). أيضاً، اعترضت الولايات المتحدة على كل قرار في مجلس الأمن، أو في أية هيئة دولية أخرى، أوفي أي إطار قانوني معني، على إدانة الاستيطان «الإسرائيلي»، أو أية دعوة دولية لوقفه.
نذكّر أخيراً بتحذير الرئيس ايزنهاور في عام 1956 عندما اعتدى الكيان، وباتفاق سري مع فرنسا وبريطانيا على مصر من خلال العدوان الثلاثي، لاحتلال قناة السويس، مستغلين الانتخابات الأمريكية، حيث وقع العدوان قبل أسبوع من تلك الانتخابات، إلا أن ايزنهاور، الذي يشير المفكر والسياسي البريطاني دينيس هيلي إليه «بأنه الرئيس الأمريكي الوحيد، الذي لم يسمح للوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، بأن يتلاعب بقضية الشرق الأوسط نيابة عن «إسرائيل». وقد حذر ايزنهاور الكيان وحليفتيه من مغبة استمرارهم في العدوان، وطالبها بوقفه الفوري والانسحاب من مصر. امتثلت بريطانيا وفرنسا أولاً، ثم لحق بهما الكيان. أين موقف أمريكا الآن من ذلك الموقف؟
على من تقرأ مزاميرك يا تونر؟ إنه النفاق الأمريكي بكل تجلياته.
