رسالة للأحزاب

حجم الخط

رسالتي موجهة للأكثر مني انتماء وإيماناً بالفكرة، لمن خط بجلده وقسمات وجهه وسنوات عمره أقدس وأنبل فكرة عرفتها ثورتنا المعاصرة، وبعيداً عن التنظير أدعوكم لوقفة تأمل وقراءة لتاريخنا الوطني والحزبي، فإننا اليوم أمام مفترق طرق سيحدد وجه النظام السياسي الفلسطيني لعقود قادمة، بل سينعكس على مستقبل أحزاب وقوى هذا النظام وآليات تفكيره وشكل وطريقة نظرته للصراع العربي الصهيوني.

وبنظرة سريعة على شكل ومضمون الأحزاب قبيل نكبة العام 48 وما تلا تلك النكبة من حراك سياسي واجتماعي توالدت منه أحزاب، فإننا نلاحظ أنها حركات مختلفة تماماً عن ما سبقها  من أحزاب وتشكيلات وصولاً لهزيمة الثورة عام 1982 وما تلاها من صعود للاسلام السياسي، وتراجع لقوى الثورة وتواجدها وثقلها الجماهيري، هذه السلسلة التاريخية من الأحداث، وما يجري اليوم من حراك سياسي واجتماعي أسفل ركام النظام السياسي الفلسطيني يتطلب منا أن ندرك بأن أي حزب لا يواكب متطلبات التغيير والعصر حتماً سيندثر ويزول وأن أحزاب وحركات ستنهض بدلاً منه.

إن تلك الأحزاب التي سبقت النكبة لم تكن نفسها ما بعدها، كما أن تلك الأفكار والأحزاب التي سبقت هزيمة حزيران لم تكن نفسها بعد الهزيمة، وحتى لا نضيع البوصلة فإن تلك الأحزاب والقوى التي ستكون بعد رفع ركام النظام السياسي الفلسطيني بإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة لن تكون ذاتها ابان الانقسام، هذا يستدعي من تلك الأحزاب التي وقفت في وجه الانقسام أن تبدأ فوراً بتجديد البناء وعصرنته بما يرسي القواعد لبنية تستجيب لمتطلبات العصر، وتتسلح بأخلاق ثورية تشّكل بوصلة دائمة توجههم لبناء مجتمع ثوري مقاوم لا يسمح  بإعادة إنتاج أزمات الماضي ومآسيه ويستعيد حقوقه المهدورة.

 وهذا يتطلب من هذه الأحزاب تصحيح البوصلة، ووقف نزيف صراع الأجيال لصالح التكامل بالأدوار ونقل الخبرات بعيداً عن الوصايا أو التلقين، ويعطي مهمة للأجيال التي حملت الفكرة ونقشتها على جلودها وقدمت لها  سنوات عمرها أن تفسح المجال لشباب أن يتحملوا مسئولياتهم اتجاه تاريخ وحاضر ومستقبل أنبل فكرة عرفتها الثورة الفلسطينية المعاصرة ليجترعوا أدواتهم وأفكارهم في حمل هذه الأمانة ليطوروها ويعلوا من شأنها وإلا سنضيعها وسيكون مآلها كما مآل تلك القوى التي جلبت الدمار للقضية الفلسطينية، وما نتج عنه من انقسام، ومن تغول للاحتلال، لتحتمي  بتلك الممارسات استحضاراً مباشراً لجرائم النظام العربي الرسمي على شعبنا، والمتمثلة بإعادة انتاج نظام سياسي فلسطيني يشرعن التنسيق والتطبيع، ويجرم المقاومة، ويجرد الفلسطيني من أدنى حقوقه الوطنية والآدمية، المسئولية تاريخية والاجابات مصيرية، ولا يجب أن نهرب من الاعتراف بهذه الحقائق، والاجابة بشفافية والانطلاق إلى ميدان العمل الثوري بعد تصحيح الأخطاء، وطرد الأوحال والشواذ، وبناء حزب تقوده سواعد الشباب الحامل للفكرة والبرنامج.