كفى عويلا... ترامب ليس نبتا شيطانيا!

حجم الخط

لكي نفهم... علينا إذن أن نتحدث بهدوء.
عقد النقص والاستلاب التي تعاني منها معظم النخب السياسية والثقافية والإعلامية العربية ليست ظاهرة عفوية وفردية بل هي نتاج بنى تشكلت وتكونت عبر تاريخ طويل من التبعية والارتهان للهيمنة الاستعمارية على البلدان العربية التي جاءت على أنقاض الهيمنة التركية المتخلفة وما تبعها من تقاسم تركة "رجل أوروبا المريض" قبيل وأثناء الحرب العالمية الأولى، التي توجت في اتفاقيات سايكس – بيكو عام 1916 ووعد بلفور عام 1917. 
الأنظمة والكيانات العربية التي تشكلت في سياق هذه الترتيبات الاستعمارية وما يناسبها من بنى سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، تدين بوجودها بمقدار تبعيتها وخضوعها للدول الاستعمارية وحمايتها لها، هذه الحقيقة هي التي تفسر لنا كل هذا الاهتمام المثير للاستغراب والسخرية بالانتخابات التي تجري في العديد من البلدان الامبريالية وخاصة في الولايات المتحدة.
هذا الاهتمام العربي ليس مرده الفاعلية السياسية الحرة في قراءة التحولات العالمية وسبر غور الظواهر في العالم لتحديد استراتيجيات العمل ، وإنما مرده الاستسلام الكامل لمعادلة أن مصير الأنظمة العربية ووجودها ودعمها وحمايتها مرتبط بنتائج التغيرات التي تحدث في تلك البلدان الاستعمارية، إنها لا تثق بذاتها ولا بشعوبها ولا بشرعيتها، وإنما بالحماية التي توفرها الدول الراعية لها. 
هذه المعادلة العميقة رسخت عبر التاريخ ثقافة الاستلاب في المجتمعات العربية التي ترى أن مصير البلدان العربية مرتبط بما تقرره لها الدول الاستعمارية، من هنا كل هذه اللهفة في متابعة حمى الانتخابات الأمريكية، ومن هنا كل هذا الارتباك والتوتر والقلق بل والذعر الذي ترتب على فوز دونالد ترامب في الانتخابات الأمريكية الأخيرة..
هذا الذعر ليس له علاقة بما يشاع عن ترامب بأنه عنصري، وضد المسلمين ، والمهاجرين، والنساء وغير ذلك، فهذه المسائل لا تثير القلق إلا بذلك القدر الذي لا يتجاوز معادلات الواقع التقليدية، لكنها تستخدم كمبرر لإخفاء الأسباب الحقيقية للقلق وهي أسباب تعود لما هو أعمق من ذلك، إنها تعود إلى التحولات العميقة التي جرت وتجري في أعماق المجتمع الأمريكي والتي شكل فوز ترامب صفعة العنيفة للوعي الكسول والسطحي الفاقد للخيال ولا يرى ما يجري تحت السطح.
دونالد ترامب ليس نبتا شيطانيا، بل هو نتاج طبيعي للتحولات الجارية في المجتمع الأمريكي، فعنصرية ترامب التي عبر عنها في خطاباته قبيل الانتخابات بكل وضوح، وبالرغم من تجنيد الغالبية الساحقة من وسائل الإعلام الأمريكية وحتى الأوروبية ضده على هذا الصعيد، إلا أنها لم تؤثر في النتيجة بشئ، ذلك لأن كل ما قام به ترامب أنه امتلك الشجاعة في لحظة تاريخية محددة ليكشف في خطابه ما هو موجود أصلا في الواقع، أي العنصرية البنيوية المستوطنة في أعماق المجتمع الأمريكي، وإلا كيف نفسر هذا التصويت الصادم لترامب رغم شعاراته العنصرية الفاضحة، وبالمقابل تلك الهزيمة المدوية للسيدة كلينتون التي تدعي انها ليست عنصرية وديمقراطية؟.
إذن ترامب ليس نبتا شيطانيا، بل هو ابن سياقاته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية التي تعبر عن حقيقة رأس المال المالي في أكثر تجلياته توحشا وهو يسيطر على الدولة الأقوى في العالم.
هذا لا يعني أن ترامب مطلق اليدين والقدمين في رسم السياسة واتخاذ القرارات، هنا من البديهي التذكير بأن هناك فارق كبير بين الخطابات التي تطلق أثناء الحملات الانتخابية وبين ممارسة السياسة من موقع المسؤولية الفعلية... هنا نحن أمام دولة ونظام ومنظومات ضبط وتوازن، هنا يحضر العقل العميق للدولة، وهو بالضرورة سيقوم بما يتوجب عليه لكي لا تنفلت التناقضات الاجتماعية. وسنلاحظ قريبا كيف سيتم تدوير الزوايا بخصوص العديد من الشعارات والمواقف التي أطلقها ترامب بما يهدئ من روع القطاعات الشعبية.
غير أن المهم هنا هو ضرورة رؤية التحولات العميقة في الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وعسكريا وثقافيا، وترجمات ذلك في الواقع، هذا هو في الحقيقة ما يثير قلق الأنظمة التابعة العربية وغير العربية وليس عنصرية ترامب الشعبوية.
في هذا السياق تأتي أهمية وعي ردورد فعل الشارع الأمريكي الذي صدمته النتيجة، يلاحظ هنا أن صدمة الشارع الأمريكي من فوز ترامب ليست بسبب خوفه من استراتيجيات الولايات المتحدة على المستوى العالمي، فالشعب الأمريكي يعرف أن الدولة في النهاية ستحافظ على مصالحها العليا، الصدمة ناجمة عن الصفعة التي تلقاها الوعي الأمريكي ومنظومة القيم في الداخل الأمريكي والتي كان يعتقد هذا المواطن أنها لا تمس، وهي التي تميزه عن غيره من الشعوب، المقصود: اقانيم الحرية، وحقوق الإنسان والديمقراطية والمساواة، ليجد نفسه فجأة أمام خطاب سياسي يضرب هذه الشعارات في العمق، والأخطر أن يكتشف بأن غالبية الشعب الأمريكي تصوت لصالح عنوان هذا الخطاب.. هذا هو سبب الارتباك.. 
سبب الارتباك ليس الخوف أو الاحتجاج على سياسات أمريكا الاستعمارية والعدوانية تجاه الشعوب الأخرى، سبب الخوف أن المواطن الأمريكي وجد نفسه في مواجهة مع ذاته الداخلية، فالمظاهرات التي تجوب مدن أمريكا اليوم ضد ترامب ليست ضد سياسات أمريكا العنصرية الخارجية، وإنما نتيجة الرعب الذي كشفت عنه الانتخابات الأمريكة من عنصرية أصبحت الآن في البيت الأمريكي ذاته.
هذه الحقيقة تعيد تذكيرنا بحيادية وتواطؤ الوعي الجمعي الأمريكي ودعمه لسياسات بلاده العدوانية والعنصرية ضد شعوبنا العربية وغيرها من شعوب العالم، وقتها كانت فقط قلة قليلة من الشعب الأمريكي تملك الشجاعة والقيم وتفهم ما نقول، اليوم نشاهد المواطن الأمريكي يسير مرتبكا حين ارتدت تلك الثقافة والممارسة والسلوك العنصري نحو الداخل، فاستفاق المواطن الأمريكي ليجد أن الأغلبية الساحقة في الداخل مسكونة بعنصرية ليس فقط ضد الخارج بل وضد الداخل أيضا.
الكثيرون ربما تألموا من الانفعال العاطفي وبكاء المواطنين الأمريكيين وهم يقفون أمام الحقيقة المؤلمة التي وجدوا أنفسهم يواجهونها بفوز ترامب، هنا أقول ليس شماتة أو تشفيا بل من باب التذكير بمكر التاريخ... بأن قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحق تقرير المصير هي رزمة متكاملة، إذ من المستحيل أن تنام وأنت مطمئن إلى أنك تؤمن بقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والحرية داخليا، ثم تستيقظ في الصباح ودون أن يرف لك جفن تؤيد أو تصمت على الحروب العدوانية التي تقوم بها دولتك ضد الشعوب الأخرى فتستبيح أرضها وثرواتها وثقافتها وحقوقها... هذا غير ممكن.
أما بالنسبة للمذعورين العرب، فقط أعيد التذكير ببديهيات الوعي: ما يجعل الأمة العربية أو أي شعب عربي خارج دوائر الذعر والخوف والتأثير السلبي لنتائج الإنتخابات الأمريكية أو غيرها من الانتخابات.. هو أن تنتهي سياسة وثقافة التبعية والارتهان السياسي والاقتصادي والثقافي للدول الخارجية، والعودة لأصل الشرعية اي الشعب والناس... هنا لا تعود الانتخابات الأمريكية أو البريطانية أو الفرنسية أو الألمانية أو غيرها مهمة ومؤثرة إلا بالقدر الذي تتقاطع معه أو تتناقض مع شروط الاستقلال القومي والوطني وتبادل المصالح والمنفعة بتكافؤ واحترام... وغير ذلك ليستمر الرعب والذعر، فمن يرضى لنفسهه الهوان ليتحمل ذلك دون عويل جبان.