بعيداً عن المقدمات السياسية والاجتماعية ، التي أسهمت في انطلاق حركة فتح ، وما شكلته انطلاقتها من ولادة للثورة الفلسطينية المعاصرة ، وانطلاقاً من وعينا وفهمنا لدور حركة فتح وبنيتها الإيديولوجية والتنظيمية وقدرة وعائها التنظيمي على استيعاب وتنظيم قطاعات واسعة وعريضة من مختلف الشرائح الطبقية لمجتمعنا الفلسطيني في كافة أماكن تواجده . وما عكسه ذلك من هيمنة فتح على منظمة التحرير ومؤسساتها ، واستفرادها بالقرار الوطني الفلسطيني في إطار قيادتها للنضال الوطني الفلسطيني .
ولان حركة فتح تجري استعداداتها لعقد مؤتمرها السابع أواخر الشهر الجاري يهمنا كمتابعين أن تكون أول مخرجات هذا المؤتمر استعادة حركة فتح لوحدتها التنظيمية ، التي باتت تهددها صراعات السيطرة والنفوذ لشريحة من البرجوازية الكمبرادورية نمت في داخلها بفعل مكوناتها الذاتية . وثانيها إعادة تصويب مسارها وبرنامجها السياسي والكفاحي التحرري الذي تلاشى وانتهى حضوره مع أول خطوة تنفيذية لمشروع اسلوا .
والجدير ذكره هنا أن البنية التنظيمية لحركة فتح ووحدتها قد تعرضت وفي محطات عديدة وهامة في مسيرتها الوطنية للعديد من الأزمات التي كادت أن تعصف بديمومتها ، لكنها أي حركة فتح امتلكت القدرة على معالجة أحداث الأزمات رغم شدتها وقسوتها وان تخطو خطوات للأمام ، لكن دون أن تصوب تصويب حقيقي للأسباب الكامنة خلف أزماتها ، وخاصة تلك المتعلقة بالأزمة البنيوية والأيديولوجية والسياسية ، الأمر الذي أدى إلى تعمقها وتفاقمها ، حتى باتت وفي نظر الكثير من المراقبين أنها توشك على تهديد وجودها . رغم أن الصراعات التي تعيشها تبدو في ظاهرها صراعات شخصية بين أقطاب ومراكز النفوذ والمصالح على مواقع صنع القرار في مؤسساتها ، ولا تحمل في مظهرها أي اختلافات أو اجتهادات فكرية أو سياسية ، وان هذه الصراعات باتت في الآونة الأخيرة بالاشتداد حيث بدأت من جديد بالظهور والطفو على السطح بشكل علني وصريح في مرحلة ما قبل وما بعد استشهاد الرئيس أبو عمار .
وبلا شك إن حركة فتح قد خسرت الكثير من كوادرها ومن جماهيرها بحملها لمشروع السلطة وانغماسها في دهاليزها السياسية والأمنية والاقتصادية ، فهي أم الجماهير التي لم تعد تمتلك خطاباً سياسياً تخاطب به جماهيرها منفصلتاً عن السلطة وخطابها السياسي . وهي الحركة التي ذابت بنية مؤسساتها التنظيمية في هيكلة السلطة ، حيث غابت الاجتماعات الدورية للجنة المركزية بصفتها التنظيمية في اغلب اجتماعاتها والتي جاءت في إطار" اجتماعات القيادة " ، إضافة إلى افتقاد مؤسساتها التنظيمية لهيبتها باعتمادها على تراثها النضالي ، والرمزية النضالية التي يشكلها رأس الهرم التنظيمي . إلى جانب خلق حالة من اللا توازن في قوة وبنية الأقاليم ، فأينما وجد مركز قرار السلطة وجدت قوة للإقليم ، وأضعفت الأقاليم الأخرى . إضافة إلى تحيد وسقوط كادرها الكفاحي في دهاليز الأجهزة الأمنية التي ارتبط تشكيلها باتفاقيات أمنية وكي وعيه الكفاحي الوطني . والى جانب ذلك ما صنعته اتفاقية باريس الاقتصادية من تنمية شريحة من طبقة الكمبرادور السياسي الذي ارتبطت علاقاته ومصالحة بمصالح الاحتلال ، وتموضع هذه الشريحة في مواقع صناعة القرار، ناهيك عن حالة الفساد والإفساد التي تعيشها مؤسسات السلطة والتي مست عدد من كادرات ومؤسسات حركة فتح .
أمام هذا المتغير أو ذاك .. هل ستتوقف فتح أمام حالة الترهل التنظيمي ، وسطوة سماسرة السياسة وكمبرادور المال على مفاصل البنية التنظيمية ومؤسساتها وأمام حالة الغياب السياسي والكفاحي للحركة ؟. وهل ستتوقف أيضاً أمام حالة القلق والخوف لدى أبناء فتح ، وكافة المراقبين والإعلاميين والفضائيات العربية والمحللين السياسيين من فشل المؤتمر نتيجة لحالة التجاذب بين التيارات الداخلية للحركة ، وموجة الصراع الطويلة التي سبقت في كافة مؤتمرات الأقاليم التنظيمية ؟.هل ستتوقف فتح إمام فشل وانسداد أفق عملية التسوية والمراهنة عليها ، وخيار المفاوضات وإغلاقه أبواب الخيارات النضالية الكفاحية الأخرى ؟ وهل ستعيد حركة فتح الاعتبار لذاتها الوطنية الكفاحية لتقف في وجه ذاك المتربص المحلي والإقليمي بالمشروع الوطني ؟ هل سينجح المؤتمر في تحقيق ذلك ؟..
الحكمة تقول تؤخذ الأعمال بخواتيمها ، وليس بمقدماتها والتي بدت للكثير من المراقبين والمهتمين بالشأن الوطني الفلسطيني عامة وحركة فتح خاصة ، تدعوا للقلق ، ولا تبشر بخير . وهذا ما لا يتمنى حدوثه كل وطني عاقل .
