تسع سنوات على استشهادك يا معين
ذكراك تلفح كريح السموم... تزيح الرمل لتجرح حنايا الحجر الصلد، نتجرع آلاماً حادة، لقد جرحت الروح والجسد، وأصبحت مملكة الجراح أكثر اتساعاً وعمقاً، كنت أراه كأنه الندى الذي يتلألأ تحت شمس خريفية، كان صلباً كصخرة وحنوناً كالحمل، وهو يتحدث إليك يلفحك دفق ناري قادم من فوهة بركان، رجل كالإعصار عدما يغضب وكالبحر الهادئ إذ يصفو، مقاتل عنيد، كطير السمّان المهاجر، الذي لا يعرف أين سيموت، واصل نضاله وقتاله وسُجن، دافع عن وطنه وجبهته حتى آخر قطرة دم، كانت آماله الاستشهاد من أجلهما، مات واقفاً ولم يركع كان هذا ما ينبغي أن يكون، هو القتال حتى ترتوي الأرض بالدم.
حاولت بصعوبة الكتابة، أو أن استوعب فراق رفيق دربي، بالدم والذراع قاتلنا بشرف؛ فالحزب هو الانتماء إلى الحياة، والموت في آخر المطاف لابد أن يأتي من أجل شروق شمس حرية الوطن، فلنمت من أجل موقف عظيم.
أبووائل دماءك منارة مشعة في ليل هذا الذل العربي، لو سألتني ماذا حدث؟ تحول الناس من حالة الحب والتضحية إل حالة غريبة من الحقد والكراهية والأنانية وحب المال، البشر فسدت وانقسمت حتى صار الواحد عدو الآخر وحتى عدو نفسه، لقد طفى على السطح أشراره ومن يقاتل من أجل شعبه غاص للأعماق، لقد نجوت رفيقي من رؤية طقوس المذبحة.
أبووائل هنا ولدنا ... وهنا شربنا أول قطرة حليب... وهنا بللنا أول مطر... وهنا سفعتنا أول اشراقة شمس... وهنا أول بحر عمُنا فيه هو بحرنا الدافئ، سنتخطى عذاب الجسد متشبثين بأعمدة الروح العاصفة؛ فالبيت ينبض ويضئ بيجل راسخ كالجبل ممتلئ بالحيوية، ها هم يطلعون من رماد المعركة وضراوتها، كأنهم ينابيع تتفجر بالحب والبذل والتضحية بلا حساب، كل ما هو مضئ وانساني بشع بينهم تحت لمعان سياط التعذيب، سيهبون كالعاصفة، هم السد الناهض كجبل من صّوان عصّي على الكسر، هم أبناء هذه الأرض، فكلما اختمرت الأرض بالمطر ينهض عشبها أقوى وأنضر.
هؤلاء وغيرهم يا معين ممن تربوا على لغة الدم والاستشهاد والبسالة، يرفضون بأن يتركوا معلقين في فضاء الرموز والهوامش؛ فالفلسطيني يحب الحياة والموت في نظرة برق خاطف يعبر به ولا يبالي، لقد أورثت هذا الجيل حياة تنمو في العواصف، وإن العاصفة لا تربط، سيُحل وثاقها وستسمع ما الذي ستفعله العواصف بهم، فقد تمسكوا ببندقيتك وسكينك فلن يغفروا لأحد... وأرواح أجدادنا تحوم حولنا وتخنقنا وتصرخ فينا لقد أهانونا، وأحرقوا البيت والمحاصيل ثم طردونا من بلدنا. تذكروا بأنكم من صلبنا وعليكم أن تثأروا.
نعاهدك ونعاهد أجدادنا بألا نرى من الأيام إلا شموسها وصباحاتها عن قريب، وإن الليالي الدامسة إلى زوال؛ فالدماء وحدها هي التي تضئ الآن وما تبقى هو الهراء.
سنحافظ على هذه الأرض والقيم، وأزهارها ستتفتح في الغسق يا معين.
* عضو اللجنة المركزية العامة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
