يتحفنا البعض بمواقف سياسية " ثورية " ولغة قديمة جداً يقدمها لنا باعتبارها مواقف سياسية ثورية أصيلة ولكنه ينسى الفارق الهائل بين القديم البالي وبين القديم الأصيل والصالح، تماماً مثلما ينسى الفرق بين الجديد الثوري وبين الجديد المسموم والسئ . لا يرى المسافة بين الأمس واليوم، ولا يرى الواقع.
إن التحدي ليس في الاجترار والتكرار والنسخ بل في الإضافة والتجاوز والتراكم وفي التجديد، هكذا علمنا الأديب غسان كنفاني.
يتحدث بعض الكتاّب "الثوريين " في ساحتنا الفلسطينية والعربية وكأن شيئاً لم يحدث منذ العام 1974. سقطت امبراطوريات وتغيرت دول كبرى ومصالح وحكومات ونشأت أقاليم وتحالفات وتغير الطقس مليون مرة، وما زال صاحبنا على حاله. ساكن وجامد، يعتقد أن الجمود = الصلابة الثورية، مع أن الثورة تكره الجمود والتكلس..لذلك، تجده يتحدث عن روسيا اليوم كأنها الاتحاد السوفياتي في عهد لينين!.
وماذا يستفيد الشعب الفلسطيني من حزب " ثوري" مثلاً يفقعك بيان عرمري كل يوم عن الكفاح المسلح والتحرير ولكنه لم يقوم بعملية فدائية واحدة منذ العام 1985 ؟ ولا ينظم مظاهرة واحدة من أجل الاسرى كي لا نطالبه بتحريرهم ..وحاله لا يسر صديق ولا يغيظ عدو.
إن الشعارات السياسية الثورية مهمة وضرورية ليس لأنها مريحة للضمير بل لأنها تعبر عن موقف نظري سيظل عبئاً إذا لم يتسق مع ممارسة نضالية يومية للشعار (يعني ممارسة للسياسة) وليس فقط علك الشعار ومضغه تماماً كما يعلك الأخ " نبتة القات " يمضغ ويمضغ ومبسوط على حاله !
وأخيراً، هناك من هو ألعن من كل هذا. أقصد بعض من يطالبوا بالتجديد، هذا الهدف النبيل يمكنه أيضاً أن يتحول إلى مطية لما هو أسوأ من القائم والتقليدي، شعار زائف ومفرغ تماماً من مضمونه، والهدف منه الحصول على امتيازات السلطة.
إن البديل الجديد يجب أن يكون أفضل وليس أسوأ، والتطور يكون منهجي ومدروس والسير يحدث خطوة خطوة إلى الأمام، لا بالقفز ولا إلى الخلف در.
من يكرهون التجديد الحقيقي يريدون خلع الشجرة من الأرض، والأصل أن يظل ساق الشجرة مغروساً عميقاً في التراب وأن يصل الماء والهواء ونور الشمس، وسيأتي حينها التجديد يومياً في كل الأغصان والأوراق وعلى مدار السنة بغض النظر عن تبدل الفصول وحالات الطقس.
