رحل الجسد ولم ترحل الروح والعزيمة

حجم الخط

في السادس والعشرين من يناير عام الفين وثمانية رحل جسد جورج حبش ولم ترحل روحه وفكرته وثورته، رحل الجسد وبقيت سيرة ومسيرة ما يزيد عن ثمانية عقود من الكفاح الوطني الثوري تشكل نبراساً يضيء درب الثوار والأحرار بما رسمته من معالم ومحددات ثورية، وبما اتسمت به من قيم ومعاني ثورية نبيلة في نقائها وصفائها الإنساني والأخلاقي، وتميزها عن كوكبة من القادة والرموز الوطنيين والثوريين في وطننا ومحيطنا العربي والأممي.

جورج حبش عاش النكبة وتجرع مرارتها وتلمس آلامها ووجعها وأثارها النفسية والمعنوية حيث شكلت له لحظة تاريخية فارقه،  أفقدته كيانه وغار جرحها عميقاً في جسده لكنها لم تدفعه للبحث عن الخلاص الفردي، بل حولته من إنسان عاشق للحياة وللوطن إلى سياسي يبحث عن وطن وحياة أفضل، وولدت لدية إصرار على تجاوز محنة الصراع مع الذات ما بين إكمال دراسة الطب بناءً على رغبة والدته وما بين البحث والتفكير في سُبل مواجهة ومقاومة عصابات الاحتلال، وجاءت انطلاقة مسيرته الكفاحية من الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1949 حين تمكن وثلة من رفاقه من أن يحول جمعية العروة والوثقى من منتدى يهتم بالأدب واللغات إلى منتدى للنشاط السياسي والفكري، واستمر بالعمل تجسيداً لإدراكه ووعيه وقناعاته التي كانت تتجه نحو القوة والكفاح المسلح السبيل القادر على استرداد الأرض. ومن هذه القناعات والمنطلقات ولدت لديه الفكرة، وجاء تحركه نحو تشكيل "كتائب الفداء العربي" التي قامت بتنفيذ عدد من العمليات العسكرية ضد المؤسسات الصهيونية .

وفي ذات السياق وفي ضوء تنامي وعي جورج حبش لأهداف المشروع الصهيوني الذي بدأت خطواته الأولى في احتلال أجزاء كبيرة من فلسطين وعلى أثر انكشاف كتائب الفداء العربي، تبلورت في عقل ووعي جورج حبش فكرة خلق الحاضنة الجماهيرية للمقاومة لتشكل لها رافداً بشرياً ومعنوياً ومادياً وسياجاً امنياً فجاء تحركه نحو تشكيل حركة القوميين العرب لحشد وتأطير وتعبئة الجماهير لمعركة استرداد الأرض والحقوق الوطنية.

ولم تتوقف مسيرة الإبداع الفكري التي تمتع بها جورج حبش في البحث عن سبل ووسائل واداوت مواجهة المشروع الصهيوني بل ازدادت عمقاً ونضوجاً في ضوء فهم وإدراك جورج حبش لطبيعة أهداف هذا المشروع وارتباطه بالمشروع الاستعماري الرأسمالي واداوته وإفرازاته في المنطقة العربية، الذي يتجاوز أطماعه حدود احتلاله لفلسطين وهذا ما عُبرت عنه نتائج هزيمة عام 1967 الكارثية والتي كشفت عن عجز وفشل النظام العربي الرسمي في قيادة معركة تحرير واسترداد الأرض الفلسطينية. ما استدعي حبش ورفاقه بالتحرك نحو فكرة تشكيل الجبهة الشعبية ببعدها الوطني والقومي والأممي وبرؤية ماركسية-لينينية. لتمثل رداً طبيعياً على هزيمة القيادة البرجوازية وفكرها.  

ولعل أهم ما تميز به جورج حبش ورفاقه وجعلهم في موقع الإعجاب والافتخار والتقدير لدى قادة حركات التحرر العالمية، ما امتلكوه من قيم وطنية وثورية وإرادة صلبة جسدت في مواجهة تحديات المخاض والولادة بتجاوز أزمات التحول إلى حزب ماركسي- لينيني بحكمة ورشد ووعي وعقلانية لم تشهدها الحركة الوطنية الفلسطينية قاطبة كان نتاجه وجود تنظيماً سياسياً كفاحياً شكل حضوراً سياسياً وفعلاً  كفاحياً وطنياً، وإضافة نوعية لقوى الثورة الفلسطينية المعاصرة.

واستطاعت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة جورج حبش قرابة أربعة عقود بما رسخه من ثقافة ووعي وقدرة على التحليل العلمي السليم للأحداث السياسية التي عصفت بمسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية أن تشكل الجبهة الشعبية صمام أمان للثورة الفلسطينية وان تصد وتواجه كل محاولات الانحراف والمساس بالأهداف الوطنية.

وقد شكل جورج حبش نموذجاً فريداً لم يسبقه احد من قادة وأعمدة العمل الكفاحي الثوري حينما طلب من رفاقه أعضاء المؤتمر الوطني العام إعفائه من مهام الأمانة العامة للجبهة رغم امتلاكه القدرة على مواصلة العمل بموقعه.

رغم ان جورج حبش ترك موقعه القيادي في الجبهة الشعبية إلا انه لم يترك من وجدانه ووعيه فلسطين القضية والهوية فقد استمر بالكتابة عن فلسطين وتقديم الدراسات والأبحاث حيث تمكن من تقديم  دراسة هامة حملت عنوان "نحو فهم أعمق للحركة الصهيونية" . من حيث بدأ جورج حبش حياته حكيماً للأبدان وجراح ماهر في استئصال اليأس فقد أنهاها حكيماً في النفوس والإرادات والعزيمة .