يامشعل خيطان الهلسة انهض... فهذا ليس أوان الموت أو النوم لا فرق... فلم يحن موعد نومك أو موتك أو رحيلك بعد... فانهض واحضر حالا لأن اللحظة تستدعيك...
يا صاحبي! يا ابن أمي الكركيّة الأردنية هل تذكر أحلامنا وأمنياتنا الكبرى والصغرى... إنها تتحطم الآن على صخور البؤس السياسي والفكري والسلوكي... لهذا عليك أن تنهض الآن فنحن بحاجة إليك... قوى الظلام تنتشر وتحطم كل ما هو جميل وطبيعي وعادي في حياتنا... تشطب حضارتنا بلا رحمة وتغتصب وعينا بضراوة... لقد انفلتوا كرفوف الغربان وقطعان الضباع الضّالة... التي راحت تستبيح إنسانيتنا وكرامتنا... وتجعل من أمهاتنا وأخواتنا وبناتنا سبايا وعاهرات... لقد أيقظت تلك القطعان في ليلنا ونهارنا كل ما هو بائس وسافل ومنحط...
انهض يا مشعل... لا أعرف كيف... ولكن عليك أن تنهض... هل تذكر كم مشينا معا وجلسنا معا وتوّسدنا ذات الأرض معا وقاومنا معا وأكلنا من ذات الطبق معا لسنين طويلة... لم نكن نسأل وقتها ما دينك وما طائفتك... وهل أنت فلسطيني أو أردني، هل أنت شرق أردني أم غربه،هل أنت شرقاوي أم غرباوي، هل أنت فلسطيني "بلجيكي" أم أردني "ألماني"... فلسطيني ضفاوي أم فلسطيني غزّي... هل أنت "مربع أم مثلث"... كنا نخجل يا مشعل من ذلك... كنا أيامها نحتضن فكرة جميلة حد السماء ونغني لها... لا تخف فلا زالت الفكرة راسخة لم تهتز... كما كنا أيامها نحلم ماذا سنفعل عندما نلتقي في فلسطين... أو في عمان... أو في الكرك حين نعود ذات يوم.. كم وعودا طيّرنا يا مشعل كالحمام... لقد كانت عهودنا ونذورنا كثيرة يا رفيقي فلماذا رحلت هكذا... فجأة...؟
يا مشعل يا صديق القلب والحياة والأهداف الساطعة... أيها الأردني الكركيّ الباسل لقد باتت الأسئلة المحرمة والممارسات المحرمة تحاصرني في غيابك... إنها تسحق وعي أطفالنا البرئ كما تسحق طفولتهم فتاوي الموت والعار... تقتحم خلايا قلوبهم وتلوثها بخطاب ومفاهيم لا تبني وطنا ولا تحمي كرامة ولا تحرر إنسانا... إني أبذل جهدي كالعادة... ولكن لماذا تركتني وحيدا ورحلت... فعد حالا وإلا...!
يا صاحبي أرجوك أن تنهض... أترك ضريحك هناك على سفوح "حمود الكرك" واحضر حالا... أنا بحاجة إليك الآن.... لأن علينا أن ننهض من جديد لنعيد سيرتنا الأولى في المقاومة دفاعا عن الفكرة البهية وعن كرامة الإنسان وكرامة هذا الوطن الصغير الكبير... تعال ولا تتأخر لنتصدى كما هي عادتنا لكل من يحاول "باسم الدين أو الثورة أو الديمقراطية أو الحرية " أن يجعل منا عبيدا للقوى المحتلة وللغرائز والأنانية والابتذال والسفالات والجهل والتخلف...
يا صاحبي... هل تذكر! لقد كانت أحلامنا ولا زالت جميلة وعميقة... أن يكون لنا وطن يظلُّنا كشجرة سنديان قوية وحانية... وطن ليس لطائفة أو عشيرة أو قبيلة أو دين بعينه... وطن لنا جميعا... لقد كانت أحلامنا شاسعة يا مشعل ليس لها حدود... ولا زالت... كان الوطن فكرة نبيلة كما هو الإنسان ولا يزال... وطن فيه كل الناس ناسنا... كلهم نحن... وطن حر من كل الأمراض التي صدّرها إلينا الاستعمار وزرعها في وعينا وثقافتنا لكي نتمزق إلى قطعان هائمة لا هوية لها... لقد أقنعونا بأن عقولنا متخلفة بالفطرة وبأننا متوحشون بالوراثة... لقد نجحوا في ذلك يا مشعل وإلى حد بعيد... فما كان لهذا الدمار وهذا الذبح على الهوية أو الدين أو القطرية ليكون لو كان الوعي معافىً منيعا وحصينا... لقد اخترق الجهل أعماق وعينا الجمعي... وهناك أقام مستعمرات وحواضن للتدمير الذاتي "باسم الله وباسم الأنبياء وباسم الطوائف وباسم الحدود الوهمية"... حتى بات الواحد منا لا يثق ولا يعترف بأخيه أو بصديقه أو بشعبه الذي يقيم على مسافة نداء وتحية صباح...
يا صاحبي كم سيصدمك الواقع لو عرفت أن "هناك... أقصد عندك" من ينظر إليّ بشك وريبة لأني من "هنا"، وسيصدمك ذات الواقع أكثر حين تعرف أن "هنا...أقصد عندي" من ينظر إليك بشك وريبة لأنك من "هناك"... أرأيت يا مشعل الهلسة يا توأم الأرض والوعي والذاكرة والحياة إلى أين وصل الجنون والجهل... وكأن "هنا وهناك" و "نحن وهم" ومنذ بدء التكوين ليسا ذات الوطن وذات الشعب وذات الأرض وذات الهواء والماء واللغة والأغنيات والأمهات... ولم يصبحا "هنا وهناك" و "نحن وهم" إلا منذ سنوات لا تتجاوز عمرا... ولم يكن ذلك ليكون لو لم يتم احتلال الوعي أولا... ذلك يا ابن شعبي الجميل هو ثمن صمتنا على إلغاء وحدة تاريخنا وتمزيق جغرافيتنا الواحدة بحدود مرسومة بقلم تافه... فأصبح خط القلم ذاك أكثر قوة وسطوة من حقائق تكويننا الأزلي منذ المطر الأول على هذه الأرض.
يا صديقي اللحظة قاسية لكنها تحمل بشائر النهوض... فالشام تقاوم وشعب العراق واليمن البهي وتونس ومصر..و..و...و فاحضر حالا... فأنا أعرفك تماما... فحين يجِدُّ الجدُّ وينادي الوطن فإنك لا تتردد لحظة واحدة... ولا تكون إلا عند خط المواجهة الأول وكأني بك الآن تطل علي من هناك من مؤاب... تقف فوق شاهد ضريحك كعلم يعانق سماء الأردن وتناديني: حيّ على الصّباح! فأجيبك من مسافة ذات الشروق: حيّ على أرضنا وشعبنا الواحد حيّ على الصّباح!.
فانهض يا مشعل الهلسة... احمل قلبك وروحك المتوهجة وحسمك ووضوحك وأترك ضريحك... واحضر حالا... فلدينا عمل كثير...
