حسناً ، كما تريدون، لسوف أستلُّ سكيناً و أشطر لكم غسان كنفاني إلى شطرين غير متساويين، وبضربة واحدة، غسان الشهيد – القتيل إن شئتم- ، و المناضل – المغامر إن شئتم- في شطر، و غسان كأديب و فنان في الشطر الآخر، و أوافق طوعاً على استخدام هذه الشيزوفرينيا النقدية التعسفية.
جديرٌ بالتذكير هنا أن نتاج نقد الأدباء و سائر المبدعين ليس مدعاةً للمحاسبة القانونية إلا من قبل السلطة البابوية الكنسية الوسطوية، ودواعش اللحظة القديمة الراهنة والأنظمة الدكتاتورية، ولم يحدث تاريخياً أن قام ناقد بإعدام أو زج مبدع في السجن لعِلةٍ في نتاجه، أو في مآلاته و فحواه.
حق النقد مطلق، لكن النقد الذي لا يملك أسساً أو منطقية لا يمكن تناوله باحترامٍ و لا ينبغي للقارئ فعلُ ذلك، و للتذكير فقط بكل براءة، فإن لدي ملاحظات نقدية عديدة على نتاج غسان الأديب، ذلك أنه برأيي قد ترك كل ما كتبه تقريباً بلا نهايات حَرفيّة، و فوَّض بعضَه إلى نهايات استنتاجيه و إحالات معرفية، حتى نتاجه الفكري بقي غير مكتمل ظاهرياً تماماً، و هو أمر مزعج للعديدين أيضاً، تماماً مثل ذكوريته المفرطة التي أضْنتْ بحوثكم العلمية والنقدية والسيكولوجية.
في السياق، هنا فإن الذكورية ليست سمةً حيوانية إن تطابقت مع الرجولة، الذكورة بلا رجولة هي النقيصة المَرضِية و الحيوانية، ولك سيدتي أقول، عندما تكتبين عن ذكورية غسان فهل تتخلين بذلك عن أنوثتك؟
طبعاً لم أختبر ذكورته شخصياً، أولاً لأنه قتل غيلة عام 1972 و كان عمري آنها نحو سبع سنوات و ثانياً لأنني لم أوجَد في هذه الحياة كأنثى، لكنني أحترم كلَّ علاقاته بما فيها ما رشح مؤكداً أو ظنياً عن السيدة غادة السمان التي أحترمها كأديبة و إنسانة و في جزءٍ من مبنى و معنى هذا الاحترام صلتُها بغسان، و أدعو أبداً إلى تقديرها و إنصافها أدبياً.
وللعلم أيضاً، فكل الرجال الذين يخفون أو ينكرون ذكوريتهم تجاه المرأة كاذبون، فنحن قومٌ لا تمر امرأة قرب أعيننا إلا ونفصِّل ما نراه و ما لم يُر، بل و نضيف ما تيسر من خيالاتنا ومخيلتنا، وأي رجل يقول لكنَّ سوى ذلك أيتها السيدات الأنيقات الرشيقات إنما هو كاذب، وأولهم كاتب هذه السطور.
... يُعتبر الخصي عنصراً ما لا أكثر ضِمنَ حالة استعبادٍ و رِقٍّ و تملُّك، أكثر مما يدل في تراثنا العربي على القدرة الجنسية و إيحاءاتها، فأمراؤنا الأكارم كانوا يخصونهم لكي لا يُكملوا إمتاع الأميرات الجليلات الماجدات، و بالتالي قد يستمتعن و ينقلبن عليهم بعدها، أو قد يبتعدن في توقع آخر، وليس خَصيهم منجَزٌ بدافع الشرف اللفظي، فالأمراء يعلمون تماماً بأن الخصي يُداعبُ نساءهم بالمسج و التدليك، لكنه لا يستطيع أن يرويهن حتى النهاية، هذا ما قصده و عناه الكنفاني من إخصاء أبي الخيزران، في تلك الرواية غير المكتملة أيضاً و التي يصرخ فيها :" لماذا لم تقرعوا جدران الخزان"
تتحتم علينا إن كنا نقاداً و مثقفين حقاً قراءة غسانَ المبدعَ كما نقرأ أي مبدع آخر، شكسبير مثلاً و دستويفسكي و ماركيز و المتنبي و المعري، لا أن نستحضر قصائد المديح و الهجاء المتمترسة في العقل العربي المتصلب، و لا أن نستلهم ابتكارنا المستحدَث في الوقوف على الأطلال و لعنها لغايات تبوحُ بما لا يُباحُ، بل يُضمَر.
ليس هذا الرجل و لا أدبه بممنوع عن النقد، ففي نتاجه - كأي مبدع آخر- الكثير مما هو عادي وما ليس إبداعياً، تتصاعد وتيرة نصه و مفرداته أو تخبو، لكنه في بساطة مفرداته يبدو مُخترِقاً للحسي العميق لا العقلي المؤدلج، لكأنه استفاد من المقامات الموسيقية في ذلك، و ربما من أغاني التراث التي نستلهم أعماقها بلا دراية معرفية ونحبها، ليس بوصفها قديمة أو سابقة فحسب، بل لالتصاقها بحس غير مرئيٍّ و ما هو بمدرَك، سأضرب مثلا هنا " وين ع رام الله قل لي يا مسافر وين ع رام الله" ما هذه الكلمات العادية التي نسمع مثلها في أي حوار شوارعي يومياً، ومع هذا كله نحبها و تُطربنا، ما هو السر فيها؟ ، السرُّ هو أنها تحمل نبضاً يُحسُّ و لا يُرى، يحمل تقمص المُجسَّد في حروفٍ نائيةِ المعنى الحسي و غائصةِ المبنى الموسيقي، وكذا...
كان الرجلُ ذا لغة بسيطة غير اشتقاقية إبداعية متنمقة شكلاً، لكنها لغةٌ بسيطة رشيقة، فقد امتطى غزالةَ اللغة لا حمارَها.
يا لجريمتك الكبرى يا غسان، أيها الآثم، لماذا اقتبست المعنى من خيمات اللجوء و التشرد و إيقاع الألم المُدمى، كان الأحرى أن تستقيها من بين أفخاذ العاهرات في المواخير، أو تلتقطها حين تسقط من لحية الشيخ المنافق الأفاق النَصِّي الحرفي، أو من صكوك الحاكم الذليل، أو تمجد مصدرها التوراتي التوحيدي الوثني.
... وأما غسان المناضل " المغامر" فقد اتخذ قراراته و "هفواته" وخياره الذاتي الذي خصه وحده دون غيره، معتقداً – أو واهماً – إن شئتم، وهو خيار اتخذه آلاف المغامرين قبلَهُ و من بعده لاعتقادهم بأن ذلك هو طريق مواجهة النازية المجرمة التي سفكت دم الوطن التاريخي الجميل مهدَ النقاء الإنساني، و هو أمرٌ تبرره اتهاماتكم ذاتها في أعماقها سواء أكان ذلك عن دراية أو جهل في صفات الضحية، أو بفعل فانتازيا الحداثوية النقدية المفرطة بقواقع الترجمة عن السند النقدي الفرنسي و الغربي.
و هكذا تبقى خطيئة غسان الأساس سياسية حزبية مجللةً قسراً بالنزوح إلى الأدب، وأنه أيضاً اغتيل بتفحير سيارته.
لم فعلت هذا يا غسان، لسوف يحاكمونك أيها المجرم كما لم يحاكموا أحداً من قبل، و سيقتلونك كل يوم و تحيا كل يوم، فأنت متهم بإخصاء أبي الخيزران، بكل خبثٍ، و عمداً.
