الديمقراطية نقاشاً ونظاماً

حجم الخط
الحديث عن الديمقراطية في العالم العربي يشبه نقاشاً في المقاهي حول مركبات الفضاء . لا أقول إن الساحة العربية تخلو من مثقفين ومفكرين يفهمون الديمقراطية ويؤلفون كتباً وكتيبات ويشاركون في محاضرات وندوات مدفوعة الثمن، لكن المثقفين ليسوا صانعي الحدث في أي مكان عربي، هم يحلّلون ويتوقّعون كل شيء قبل الحدث الذي سيأتي إلا الحدث نفسه . من المؤكّد أن الديمقراطية تمثّل أحد أهم نواقص الحياة السياسية العربية، لكنها ليس مجرد كلمة في نقاش أو شعاراً في هتاف، وهي ليست وصفة واحدة للمرض نفسه، بل منظومة تحتاج لعقل جماعي يحدّد طبيعتها ومواصفاتها الملائمة التي لا يمكن أن يحدّدها قائد حزب تسلّم منصبه بالوراثة منذ ثلاثة أو أربعة عقود، ولا يتحرّج من التعبير عن كوكتيل سياسي يمزج بين الطائفة والأيديولوجيا، وينتقل من الموقف لنقيضه كل ست ساعات، ثم يظهر كمحاضر يمارس التنظير على ملايين العرب حول الديمقراطية . منذ أكثر من سنة، فيما يشهد الشارع في بعض البلاد العربية حراكاً شعبياً رفع معظمه شعار “إسقاط النظام”، لم تقدّم أية قوّة سياسية كبيرة أم صغيرة رؤيتها لشكل الديمقراطية المناسب لشعبها وظروفه الخاصة المنبثقة عن تطوره الاقتصادي وشكل علاقاته الإنتاجية ومستوى تطوره الثقافي، كمحدّد أساس للبناء الفوقي ليس سياسياً فحسب، إنما اقتصادي وتربوي وأخلاقي . لماذا التركيز على الأحزاب والقوى؟ لأن القيادات الشبابية التي تقف خلف الحراك الراهن، ليست جسماً تنظيمياً واضح المعالم، بل مجاميع أتاحت لها وسائل التواصل الاجتماعي الإلكتروني الحديثة أن تبني قاعدة في أوساط الشباب، ومكّنتها من تحريكهم ودفعهم نحو الشارع، وهي بالتأكيد ليست، في أية ساحة من الساحات، جسماً منظماً ومتجانساً، كما دلّت الكثير من المحطات والمناسبات أنها لا تملك رؤية سياسية شاملة ومتكاملة تشكّل بديلاً عن الأوضاع القائمة . لذلك رأينا هذه المجاميع تنكفئ عن المشهد في مصر وتونس لتصعد لسدة الحكم قوى أخرى لم يكن لها حضور قيادي في الحراك، بل كانت مترددة في كل شيء إلا الدخول في حوارات مع رموز النظام . في خضم ما يجري ولكونه مصيرياً في حياة الأمة، من المهم إثارة المسألة الأهم في هذه المرحلة الفاصلة، وهي الديمقراطية . وإذا كانت قوى منظمة وموجودة هي التي تقطف ثمار أي حراك يقوم به غيرها، فهي المطالبة بأن تقدم رؤية متكاملة للديمقراطية التي تناسب مستوى تطور شعبها، حتى لا يكون التطبيق العملي للديمقراطية في لحظة الاستحقاق هو ما تقرره عواصم الغرب، ما يعكس تسليم هذه القوى صلاحية تشكيل الأنظمة السياسية في بلاد الحراك . عندما ترشّح جماعة سياسية الرجل الثاني فيها لمنصب رئيس البلاد، فإنها بهذا تزدري أعلى منصب في البلاد أو تقرر مسبقاً أن تضعه تحت وصاية شخص آخر . فإذا كان الشخص المرشّح هو الأصلح لرئاسة البلد، فلماذا لم يتم اختياره أصلاً لقيادة حركته؟ لم يستطع أحد أن يتحدّث عن اعتماد مبدأ الديمقراطية داخل معظم الأحزاب والقوى السياسية العربية، ولم يلحظ أبناء الشعب ممارسة ديمقراطية لمعظم المنتسبين لهذه القوى التي وإن تمكّن بعضها من حشد قاعدة واسعة من الأنصار، فبتبني أيديولوجيا موجودة قبلها وركوب صهوة قضايا قومية ودينية تدغدغ مشاعر الناس . ليس في هذا التبني ما يضير، لكن على ألا يتراجع عنه أصحابه عندما يصلون إلى السلطة . هذه الحالة يصح فيها المثل الشعبي المصري الذي يقول لشخص يحاول التظاهر أنه شاطر “كان غيرك أشطر” .