المرأة والعولمة

تفرض العولمة نفسها على الحياة المعاصرة، فهي منظومة من المبادىءلكاتب: 
 السياسية والاقتصادية، ومن ال
حجم الخط
تفرض العولمة نفسها على الحياة المعاصرة، فهي منظومة من المبادىءلكاتب: السياسية والاقتصادية، ومن المفاهيم الاجتماعية والثقافية، ومن الأنظمة الاعلامية والمعلوماتية، ومن أنماط السلوك ومناهج الحياة، يراد بها إكراه العالم كله على الاندماج فيها، وتبنيها، والعمل بها، والعيش فى اطارها، وذلك هو العمق الفكري، والثقافي، والأيديولوجي للنظام العالمي الجديد. كما أن للعولمة وجوهاً متعددة فهى إما عولمة سياسية، أو عولمة اقتصادية، أو إعلامية، أو علمية وتكنولوجية، ولا يمكن استقلال واحدة عن الأخرى، بل ويتم فرضها بالترهيب والاجبار تارة، وبالترغيب والتمويه تارة أخرى. والعولمة في مفهومها العام كما تدل الصياغة اللغوية ذات مضمون ديناميكي، يشير إلى عملية مستمرة في التحول والتغيير، فعندما يقال عولمة النظام الاقتصادي، أو عولمة النظم السياسية، أو عولمة الثقافة، فإن ذلك يعني تحول كل منها من الإطار القومي ليندرج ويتكامل مع النظم الأخرى في إطار عالمي تتلاشى في داخلها الحدود بين الدول. في حين أن هناك مفهوم للعولمة يركز على أنها مصطلح بدأ لينتهي بتفريغ المواطن من وطنيته، وقوميته، وانتمائه الديني، والاجتماعي، والسياسي. وفي ظل الترابط المتزايد للاقتصاد العالمي الناشئ عن ظاهرة العولمة، وفي ظل سوق عالمي واحد، وثقافة عالمية تنشرها وسائل الإعلام والاتصال المتطورة على نطاق يتسع باستمرار، وله قدرات غير عادية في التأثير على آلاف الملايين من الناس، اتنقلت قضايا المرأة إلى طور جديد، بثقافة وفكر جديدين، مع تبدل المناخ الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي الذي يحيط بسعيها من أجل وضع أكثر عدالة، وحرية في مجتمع ما زال يفرض عليها قهراً طبقياً وأبوياً شديد الوطأة، وتعمق الترابط بين قضاياها وبين الوضع العالمي، بين تحرير المرأة، والفكر الجديد لما بعد الحداثة الذي يمتد إلى معاملة المرأة باعتبارها نفس، وعقل، لها نظرة وفلسفة في الحياة. وهناك صراع، وخلط، وتضارب بين آراء العديد من المفكرين في العالمين العربي والغربي بين مؤيد ومعارض للعولمة ولآثارها، وخاصة بقضايا المرأة بشكل عام، والمرأة المسلمة بشكل خاص. ففي المؤتمر الثالث عشر للاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي، الذي عقد في بيروت في الفترة من 29 نوفمبر – 1 ديسمبر 2002، والذي شاركت فيه أكثر من 41 بلداً من العالم تحت شعار " مناضلات ضد العولمة النيوليبرالية من أجل سلام عادل ومساواة في الحقوق"، عقد المؤتمر في ظل ظروف تنامي وتفاقم لتداعيات إمبراطورية العولمة واللبرالية المتوحشة، وهناك القوة العسكرية المتزايدة ضد الشعوب، وحروب الهوية، والأقليات الإثنية، والتناحر بين عوالم الاقتصاد والسياسة وانتشار أسلحة الدمار، وتزايد الحروب، وتفاقم حالات الفقر والعوز. أشارت الإحصائيات العالمية إلى أن النساء يزددن فقراً وتتفاقم البطالة في أوساطهن، وأصبحن في ظل العولمة سلعة، فبعد توسع الشركات قل أجر النساء العاملات، وزادت ساعات عملهن، في الوقت الذي تتخلى فيه الدول عن أدوارها الرعائية، وتقل الضمانات الاجتماعية بسبب تقلص الخدمات التي توفرها الدولة للفقراء، إضافة إلى سياسات الخصخصة التي أدت إلى خفض الأجور وتسريح العاملين ، والمرأة بالطبع أول الفاقدين للوظيفة، فضلاً عن التدمير البيئي، وهيمنة منطق الربح. بسبب ذلك تنامى عدد التنظيمات النسائية المناهضة للعولمة وأكد ت على ضرورة الانخراط في الحركة العالمية المناهضة للعولمة مثل مؤتمر "دربن ". وقد أشاد المؤتمر بنشاط النساء الفلسطينيات لكونه متميزاً بين وفود المؤتمر، حيث فرضت حضورها، وساهمت نساء منظماتها وقيادات حركتها النسائية في التعبير الصادق على امتزاج قضية المرأة الفلسطينية بقضية تحرر الوطن من الاغتصاب الصهيوني . أما فيما يتعلق بالمرأة المسلمة، فقد أثار التزامها بالحجاب الإسلامي، وتقيدها بالأحكام والقيم الإسلامية حفيظة أهل الحداثة واعتبروه درباً من دروب التخلف، وأنه لن يكون بمقدورها أن تمارس دوراً فعالاً في ركب الحضارة العالمية، أو تسجل حضوراً مؤثراً في مضمار التقدم بحيث لن يكون أمامها إلا الهامشية والانزواء، فكان على المرأة المسلمة الملتزمة أن تكيف نفسها مع صنوف التقدم، وأن تواكب أكثر متطلبات المجتمع المعاصر واحتياجاته، مع احتفاظها بهويتها، وأصالتها، وثقافتها التي تميزها. وفي ضوء ما سبق، فلابد من أن يتم التركيز على عولمة قضايا المرأة لمعرفة آثارها الإيجابية والسلبية على وضع المرأة الفلسطينية، والتعامل مع تلك الآثار التي قد تحد من إمكانية تحقيق التنمية المستدامة، ومما تقدمه من فرص واعدة تبشر بقدر أكبر من الإنتاجية، وبمستوى أعلى من المعيشة، وذلك بترتيب أوضاع المرأة الفلسطينية الاقتصادية والمؤسسية، وإيجاد تكتل نسائي قوي مبني على المقومات الثقافية، والحضارية، والاقتصادية..، حيث أحرزت المرأة الفلسطينية تقدماً ملحوظاً خلال الفترة الماضية في تعلم الإناث، فقد تضاعف عدد طالبات المدارس والتعليم العالي، ولكن فيما يتعلق بتمكين المرأة لتسعى وتستفيد من فرص المشاركة في الاقتصاد والسياسة، والإدارة وصنع القرار، ما زال ضعيفا، حيث يحرم المجتمع الفلسطيني نفسه من إبداع وإنتاجية نصف مواطنيه تقريباً، إضافة إلى الهوة الفارغة بين الجنسين من حيث الفرص المتاحة لهما في الالتحاق ببرامج التأهيل المهني، وارتفاع البطالة النسائية الناتجة عن التمييز ضد المرأة في أسواق العمل، بما في ذلك منع النساء من دخول مجالات عمل معينة، وقلة أجورهن، وقلة منح المشاريع الصغيرة التي تديرها النساء أولوية في الإقراض. ومع استمرار الوضع المتدهور للاقتصاد الفلسطيني ازدادت حاجة النساء للعمل تحت ضغط تفاقم الأوضاع المعيشية، مما أثر على وضع المرأة التي أصبح عليها أن تتحمل أعباء إضافية من أجل تحسين وضع الأسرة المعيشي، إلى جانب أعبائها المنزلية، وتربية الأبناء، وتحملها لتبعات المشكلات الاجتماعية التي نتجت عن هذا الواقع. ودفعها أيضاً إلى تقوية دورها ومكانتها الاجتماعية من خلال الاندفاع نحو العمل مهما كان نوعه، حيث وجدت في ذلك فرصة لتغيير الوضع الاجتماعي الذي تم حصرها فيه، وقيد من إمكانية إطلاق طاقاتها الإبداعية في شتى المجالات. وقد كان لارتفاع مستوى تعليم المرأة أثر واضح في اقتحامها الأعمال الإدارية، والسياسية، والإعلامية..الخ متجاوزة المهن التقليدية، ومتجهة إلى المهن التخصصية في مختلف التخصصات العلمية. كما أتاحت التغيرات السياسية التي مر بها المجتمع الفلسطيني فرصة مشاركة النساء في كافة مراحل النضال جنب إلى جنب مع الرجل، في مواجهة الاحتلال، وقدمت الكثير من التضحيات، وشاركت في شتى تعبيرات المقاومة الشعبية بدرجة كبيرة من الدقة في تفاعلهن مع الأحداث، ورؤيتهن لها. ورغم مشاركة المرأة الفلسطينية المبكرة في الفصائل والأحزاب السياسية، إلا أن ذلك لم يترك أثراً على تحسين مشاركتهن السياسية، إذ بقيت تلك المشاركة ضعيفة بالمقارنة مع مشاركة الرجل، عدا عن استبعادها الكبير عن مراكز صنع القرار. وشاركت المرأة في الانتخابات التشريعية، وحصلت على عدد من المقاعد، وهناك أكثر من وزيرة، وسفيرة لفلسطين في الخارج. ولعل انحسار نشاط المرأة الفلسطينية السياسي في ظل المرحلة الحالية يرجع إلى عدد من الأسباب منها: نظرة المجتمع إلى النساء باعتبارهن كائن من الدرجة الثانية، بالإضافة إلى عدم وجود توجه عام من الدولة يتبلور في شكل تبني سياسات وبرامج تدعم المرأة في السياسة الرسمية وغير الرسمية، وتحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وعدم اهتمام النساء بتطوير وعيهن السياسي. وبالرغم من ذلك، هناك تغيرات إيجابية كبيرة حدثت لصالح المرأة الفلسطينية خلال الفترة القليلة الماضية، فقد أصبحت قضايا المرأة أكثر ارتباطاً بمفاهيم التنمية المنشودة، وجعل موضوع المرأة في مقدمة الأولويات من حيث ربطها أكثر بقضايا البيئة، وحقوق الإنسان، والسلام، وتوجهها للعمل من خلال منظمات تنموية معلوماتية، وتنفيذ البرامج الخاصة بالنهوض بالمرأة. وإذا ما تحدثنا عن العولمة وتأثيرها سنجد أن المرأة ضائعة وقد ضلت الطريق فبعض اللوم يقع عليها خاصة في عدم معرفتها ما يناسبها ومالا يناسبها، حيث لابد من تعزيز دور الأسرة لمواجهة التحديات والآثار السلبية للعولمة عن طريق تربية الأبناء تربية سليمة تحافظ على القيم الدينية، وإيفاء المرأة حقوقها كاملة، وتنويرها بتلك الحقوق، وضرورة الاهتمام بقضاياها، حتى لا تبحث عن البديل فيما يطرح على الساحة الغربية من أفكار وتوجهات كالمنافسة المعولمة التي أصبحت تطحن الناس، وتدمر التماسك الاجتماعي والبناء الثقافي، والأحوال الفكرية، والقيم التربوية، والقواعد الأدبية، فعملت على تعميق التفاوت في توزيع الدخل والثروة بين الناس، وتدمير الاستقرار الاجتماعي، ونشر الفقر، والمرض، والبطالة، والخوف، والتهافت على التكنولوجيا الجديدة، وأخطر ما في العولمة من زاوية أبعادها الاجتماعية أنها تفرض على الفرد الراغب في الاندماج فيها أن يقوم بعملية تكييف عميقة لاتجاهاته، وقناعاته، ونمط تفكيره مع قيم وطريقة التفكير التي تتطلبها تفاعلات العولمة. وقد تؤدي العولمة الثقافية إلى ازدواجية ثقافية واضطرابات معيارية، وانحرافات اجتماعية، وخلل في الأدوار الاجتماعية، نتيجة التناقض في المثل والقيم، ومعايير الفكر، والسلوك فما يتلقاه الفرد من ثقافة محلية يواجه بثقافة عالمية أخرى مغايرة تماما من خلال مؤسسات التنشئة العالمية الأمر الذي يؤدي إلى أنماط غير متناسقة من السلوك، وإلى ضعف المعايير الاجتماعية الاندماجية، وبالتالي إلى انتشار السلوك الاجتماعي السلبي كالعنف، والميل إلى العدوان، والانحراف الاجتماعي. وختاماً لا نملك أن نمنع العولمة الثقافية من الانتشار، لأنها ظاهرة واقعية تفرض نفسها بحكم قوة النفوذ السياسي، والضغط الاقتصادي، والتغلغل الإعلامي والمعلوماتي، التي يمارسها النظام العالمي الجديد، ولكن يمكن التحكم في الآثار السلبية لتلك العولمة إذا بذلت جهوداً مضاعفة للخروج من مرحلة التخلف إلى مرحلة التقدم في المجالات كلها، وليس في مجال واحد فحسب، ساعية للترابط المتين بين عناصر التنمية الشاملة ومكوناتها، فالمرأة هي التي تحفظ للمجتمع استمراريته الحضارية باعتبارها الحارس الأساسي لمنظومة القيم التي تمثل نمط الأمة العَقَديّ والثقافي، وللتنشئة الاجتماعية التي تقوم بها المرأة/ الأم دور هام في وحدة المجتمع وفي تكوين هويته الثقافية واستقراره وضبطه . المراجع: *د.رجاء زهير العسيلي- أستاذ مشارك في التربية / جامعة القدس المفتوحة /الخليل عبد الكريم، عمرو (2010 )، العولمة والمرأة والمنظومة الأخلاقية، الموقع الإلكتروني الغد http://www.alghad.com/?news=116844 التويجري، عبد العزيز(2008)، دراسة:العولمة والحياة الثقافية فى العالم الاسلامي، http://www.saudiyoon.com/news-action-show-id-1840.htm العمر، ناصر (1424هـ)، توطئة حول العولمة، موقع المشرف، http://almoslim.net/node/82077 العسيلي، رجاء(2005)، دور المرأة في مؤسسات المجتمع المدني في ظل مسيرة الديمقراطية، بورقة بحثية في مؤتمر ملتقى رجال الأعمال" دور ورؤيا مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص في المسيرة الديمقراطية والإصلاح"، الخليل 18/5/2005.