توجد علاقة جدلية دائمة بين المشروع الوطني أي مشروع وطني تحرري وبين العمل السياسي التنظيمي فبقدر ما تتوفر قيادة وطنية همها الأول تحقيق مصالح الشعب واهدافه وجعلها تعلو على مصالح الفصيل أو الحزب بقدر ما يحقق المشروع الوطني أهدافه التحررية.
هكذا كان قانون الثورات الوطنية في العالم الثالث ..لقد انتصرت جميعها على المستعمر وحققت أهدافها في الاستقلال الوطني لأنها توفرت لها قيادة وطنية همها الأول تحقيق مصالح وأهداف الشعب ولم تكبل عملها السياسي الوطني بالاهتمام بالمصالح التنظيمية وهي مصالح عادة ما تحقق مكاسب فئوية أو إمتيازات للقيادات السياسية .. حصل ذلك في فيتنام والجزائر وانجولا وفي جنوب افريقيا حيث كان نظام الابرتهايد العنصري موجودا كظاهرة استيطان أوروبي استعمارية استطاع حزب المؤتمر الوطني الأفريقي بزعامة نبلسون ماندبلا تحقيق اهداف الشعب باسقاط هذا النظام العنصري بوصول الأغلبية السوداء للسلطة.
اما مشروعنا الوطني الفلسطيني فهو ما زال يعاني من ازمته السياسية والتنظيمية ولم يحقق أي هدف من أهدافه السياسية فلم يتحقق الاستقلال الوطني ولم ينتهي الانقسام السياسي البغيض الذي كان سببه بالأصل الصراع على السلطة أكثر من كونه خلافا سياسيا أو إيديولوجيا رغم وجود الفارق القائم بين المشروع الوطني والمشروع الإسلامي ..مشروعنا الوطني الفلسطيني لم يحقق أهدافه السياسية التحررية بسبب عاملين أولهما ؛طبيعة المواجهة التي حكمت الصراع العربي الصهيوني حيث لم تتوفر للمشروع الوطني أي حاضنة ثورية ( قاعدة ) سواء من المحيط العربي أو الاقليمي أو الدولي وذلك في ظل تحالف أمريكي امبريالي مع الكيان الصهيوني فعلى المستوى العربي الرسمي كانت ذريعة الأمن الوطني والاستقرار السياسي والسيادة القطرية هي وراء فقدان النضال الوطني الفلسطيني قاعدة انطلاقه أولا في الأردن على يد النظام ثم في لبنان بتواطيء الغزو الصهيوني مع القوى الانعزالية المسيحية اللبنانية بقيادة حزب الكتائب الماروني عام 82 وعلى المستوى الدولي فلم يجد النضال الوطني الفلسطيني قوة تسانده وتدعمه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وزوال الدول الاشتراكية ثانيهما :الاهتمام بالمصلحة التنظيمية على حساب المصلحة الوطنية العليا حيث نظام الكوتا والمحاصصة على النفوذ المعمول به عادة داخل مؤسسات المنظمة قد جعل التعبير عن المصالح أقوى أو بديل للتعبير عن المباديء وقد أصبح ذلك هو المظهر السائد في العمل السياسي الداخلي مما أدت هذه الحالة إلى تكبيل العمل السياسي الوطني بالخلافات بين الفصائل المتعددة ثم انتقال الخلاف المصلحي إلى التنظيم الواحد نفسة لذلك كانت ظاهرة الانشقاق هي أسوء ما طبعت صورة العمل السياسي الفلسطيني.
أزمة المشروع الوطني الفلسطيني وعلاقته بالتنظيم السياسي( الفصيل أو الحزب ) ليست أزمة جديدة في الواقع السياسي الفلسطيني فهي قد رافقت الحركة الوطنية الفلسطينية منذ أن بدأ النضال الوطني ضد الاستعمار البريطاني والغزو الصهيوني فكانت الخلافات بين الأحزاب الإقطاعية والبرجوازية في كثير من الأحيان على المصلحة التنظيمية والمسألة التي كانت محل الخلافات هي مسألة القيادة و النفوذ في الحركة الوطنية الفلسطينية.
ان ما يوجد في الساحة الفلسطينية اليوم من خلاف بين الاتجاه العلماني التي تمثله الفصائل الوطنية في منظمة التحرير الفلسطينية على اختلاف اتجاهاتها الفكرية وبين تيار الاسلام السياسي هو استمرار لما كانت عليه الحالة السياسية في الماضي ..وعلى ضوء هذا الاختلال في العلاقات الداخلية الفلسطينية والتي يعبر عنها استمرار مظاهر الانقسام السياسي البغيض الذي كان بسبب التمسك بالمكاسب التنظيمية وإعطائها الأولوية على المصلحة الوطنية مما أفقد دور الإرادة السياسية في عدم إتمام عملية المصالحة الوطنية ..
على ضوء هذا الوضع علينا أن نتساءل :متى تتخلص القضية الفلسطينية من ارتباطها بالمصالح سواء على مستوى الفصائل والأحزاب الفلسطينية والعربية ايضا أو على مستوى الأنظمة السياسية العربية؟
