المجلس الوطني الفلسطيني: كيف ولماذا... يعني: How and Why!؟

حجم الخط

حين قرأت الدعوة بخصوص انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني في 30 نيسان 2018 في رام الله .. قلت خير.. اللهم اجعله خير... فرحت اتابع ردود الفعل الصادرة من هنا وهناك ما بين مؤيد ورافض ومقاطع وصامت...

بصراحة لا تهمني الآن المناقشات التي تدور حول تركيبة المجلس الوطني الفلسطيني ولا عضويته ولا إحصاء من مات أو معدل أعمار من بقي أو حتى مكان الانعقاد على أهمية كل ذلك.. كما ليست الأولوية الآن الحديث عن تقاسم المقاعد والحصص..

ما يهمني هنا أكثر هي سياقات الدعوة وفي أي لحظة تاريخية تأتي ولماذا!؟

منذ عقود ونحن نلاحظ أن الدعوات لعقد المجلس الوطني الفلسطيني أو هيئات م.ت.ف تأتي في سياق التساوق مع المشاريع السياسية بما يشبه عملية تطويع وتشريع للاتفاقات والتنازلات.. وبعدها يتم تغييب تلك الهيئات المرجعية عن أية فاعلية وطنية، بما أدى إلى تآكلها وتهميش دورها وبالتالي غيابها.

هذه العملية المنسقة أدت إلى حالة من الشلل المؤسساتي الفلسطيني وفقدان المرجعيات لدورها في واقع فلسطيني وعربي وعالمي متحرك، فيما كان المطلوب أن تكون هذه المؤسسات المرجعية في أعلى درجات توترها وديناميتها وحضورها. إلا أن هذا، وبكل أسف لم يحدث!.

اليوم يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام هيئات وطنية فلسطينية أصبحت مجرد أدوات وثقالات عكسية لنضالهم، فيما وظيفتها الحاسمة والتاريخية التي تبرر وجودها وشرعيتها هو في أن تكون مؤسسات حماية وحراسة لحقوقهم ووحدتهم وتماسكهم، وأن تشكل إطارا وطنيا لتعظيم نضالاتهم ومقاومتهم.

هذا الواقع هو الذي يفسر لنا لماذا أصبحت المؤسسات الفلسطينية الوطنية محكومة بردود الفعل والاستخدام بدلا من المبادرة والفاعلية المستندة إلى روح الشعب الفلسطيني ومقاومته وحقوقه في مختلف الحقول وعلى كل المستويات.

ما يثير الأسى في دعوة المجلس الوطني الفلسطيني للانعقاد هو إشاعة الوهم والإحساس الخادع بأن كل شئ على مايرام.. والدليل هو مجرد انعقاد الجلسات وترتيب اللقاءات الوطنية.

الواقع والتاريخ يعلمنا أن شروط نجاح أي لقاء أو مجلس أو مؤتمر لا يكمن في لحظة انعقاده، حتى ولو كانت كل الشروط الفنية والشكلية والقانونية صحيحة وسليمة 100%.

ذلك لأن شروط النجاح تكمن أولا وعاشرا في التحضيرات التي تسبق هذه المؤتمرات الوطنية، فهل استوفت القوى الفلسطينية بكافة أطيافها شروط نجاح عقد المجلس الوطني!؟.

المقصود من وراء السؤال هو: أن انعقاد المجلس الوطني كان يجب أن يكون تتويجا لعملية شاملة وعميقة في التعامل مع اسئلة الواقع الفلسطيني الاسترايجية في المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والنضالية.

المفروض أنها تأتي هذه العملية بعد عمليات تقييم عميقة وحيوية للأداء والخيارات السياسية الفلسطينية وتبيان مستويات نجاحها أو إخفاقها، وتحديد المسؤوليات.

المفروض أن تأتي هذه المؤتمرات لتحدد استراتيجيات الفعل الوطني بما يشكل قوة دافعة للحالة الشعبية الفلسطينية في كل أماكن تواجدها.

المفروض أن تأتي المؤتمرات الوطنية كتلبية للارتقاء بالحالة السياسية وبما يستجيب للتحولات في موازين القوى بما يليق بالقضية الوطنية الفلسطينية.

إذن قبل الرقص سواء على إيقاع الموافقة أو الرفض يجب طرح الأسئلة التالية:

هل حدث أي استحقاق مما أشير له أعلاه من شروط حاسمة لنجاح أي مجلس وطني فلسطيني!؟ والسؤال الأهم في حال لم يحدث ذلك: لماذا!؟ وتلقائيا: من يتحمل مسؤولية عدم العمل على توفير شروط فاعلية الهيئات الوطنية الفلسطينية!؟.

من نافل القول هنا أن واقع الحال الفلسطيني يشير إلى ظاهرتين عجيبتين:

الأولى: الحالة الشعبية الفلسطينية وقدرتها على تجاوز المستحيل في سياق مبادرتها للمقاومة مسنودة بحالة صمود وعناد هائلة وتمسك بالحقوق الوطنية بكل ما يستدعيه ذلك من استعداد للتضحية على كل المستويات.

الثانية: حالة الهبوط والارتباك القيادي السياسي الفلسطيني في مواجهة الغطرسة الإسرائيلية – الأمريكية وما يرافقها من تساوق وانهيار عربي رجعي يدفع نحو التطبيع مع الاحتلال... مع استمرار المماحكات والملاسنات وحالة الانقسام غير المبررة لا وطنيا ولا سياسيا ولا أخلاقيا.

هذا الواقع أو التناقض يكشف عن إشكالية الدعوة لعقد المجلس الوطني الفلسطيني، فإذا لم تكن وظيفة ودور أعلى هيئة وطنية فلسطينية حماية إرادة ووحدة وخيارات وحقوق الشعب الفلسطيني فما هي وظيفتها يا ترى... وماذا سيتبقى من شرعيتها بعد ذلك!؟.

خلاصة القول: قبل الدعوة لانعقاد المجلس الوطني لينخرط أولا الجميع في مهمة تأمين شروط قيام المجلس الوطني بوظيفته الوطنية الناظمة... وغير ذلك... لن يغير من واقع الحال شيئا.