نستثني فتح وحماس بعد أن جفت الأقلام وبحت الحناجر على طريق مخاطبتهم ودعوتهم الى ضرورة تحقيق المصالحة ، وإنهاء ماراثون الخلاف والإنقسام الذي أجمع الكثيرين من الحريصين على أوضاع الساحة الفلسطينية على أن الحركتين وبعد كل المحاولات الفاشلة ، قررتا أخيرا إدارة هذا الإنقسام بينهما ، والإستفادة الذاتية من بقاءه واستمراره وبغض النظر عن كل التصريحات المنمقة والجميلة التي اعتاد الطرفان على الإدلاء بها أمام مختلف وسائل الإعلام ، فالتذمر المشترك من السلبيات التي انتجها الخلاف أصبح أمرا مكشوفا أمام شعبنا وأمام مختلف قواه الوطنية .
وهكذا ، وبعيدا عن كل أشكال اللف والدوران والمراوغة فمن الواضح أن الطرفان لا يريدان لهذا الإنقسام أن ينتهي ويزول ، وعليه ، فإن جميع نتائج القمم واللقاءات التي جمعت بينهما ذهبت أدراج الرياح ، ولأننا لا نريد السقوط في مستنقع الإتهام والسب والشتائم والإستهزاء التي تمتلىء بها مواقع التواصل الإلكتروني الإجتماعية والإخبارية ، فإن هذه السطور إنما نكتبها لفئات شعبنا المختلفة ، ولقضيتنا وقواها الوطنية الذين لا ناقة لهم ولا جمل من هذا الإنقسام والخلاف ، فهم المتضرر الأول والأخير من نيران الحرائق التي يستمر في إشعالها كل المستفيدين من بقاء واستمرار وديمومة هذا الإنقسام وبغض النظر عن مواقعهم ومراتبهم .
القضية الوطنية والشعب هما اللذان يدفعان الثمن ، والعدو الصهيوني هو المستفيد الأساسي والأول من هذه الظروف والأوضاع التي برزت جراء هذا التناحر ، وكل الذين يدفعون باتجاه التأجيج كلما لاحت في الأفق بادرة إنما يخدمون هذا العدو ويوفرون له كل الفرص للتمادي في ارتكاب جرائمه البشعة ، هنا يكمن بيت القصيد وهنا تقع الكارثة والمأساة ، وبالتالي ، فإن رجم الشيطان بالحجارة لم يعد كافيا للخروج من المأزق الذي تحول وللأسف إلى عبث وملهاة يومية يقودها الطرفان .
من هنا نؤكد على أن الإستمرار بسياسة فرض المنطق الخاص بهذا الطرف أو ذاك سيبقى طريق عقيم ولن ينجب أبدا الموقف الوطني الجامع والموحد الذي ينادي به ويتمناه أصحاب النوايا المخلصة والصادقة ، ومن هنا تأتي الحاجة الشديدة والماسة إلى تطبيق قانون ومبدأ قلب المائدة تماما على رؤوس كل المستفيدين من هذا الإنقسام والذين لا تتحقق مصالحهم الشخصية القذرة إلا بصب الزيت على نار الخلاف المشتعلة والتي لا يريدون لها أن تنطفىء أبدا .
ومن هو القادر على قلب هذه المائدة سوى شعبنا وقواه الوطنية التي تدين وترفض هذا الخلاف ؟ شعبنا ومعه كل المكونات الوطنية التي لم تسقط في فخ الإصطفاف إلى جانب هذا الطرف أو ذاك هم وحدهم المطالبون بضرورة التحرك نحو الخطوات العملية التي يجب أن يكون لها فعلها ، وتأثيرها على صعيد إغلاق هذا الملف المخزي والمعيب والمؤلم ، والذي لا يتشرف الشرفاء والأحرار بالإنتماء إليه أو الدفاع عنه ومهما كانت الحجج والمبررات والذرائع ، هذا هو المحك الذي يجب أن يختبر كل العاشقين لفلسطين و المنتمين لقضيتها أنفسهم على صعيده ، وما عدا ذلك فلن يكون سوى العبث ، وذر الرماد في الأعين ، والحرث في البحر ، و مضيعة للوقت .
إن الشعب الذي رفض وعلى مدى أكثر من ستة عقود كل أشكال الظلم والذل والإستسلام التي أوجدها العدو الصهيوني ، لقادر أيضا على فضح وتعرية وحرق كل أشكال التضليل وأدواته ومن داخل الوطن وخارجه و التي تمارسها أطراف الإنقسام عليه ، و هذا لن يتحقق إلا بالأفعال وليس بالأقوال ، وما على القوى التي تعتمد على هذا الشعب سوى المسارعة إلى صياغة الخطط والمبادرات العملية ، ووضعها أمام هذا الشعب وبكل شرائحه وفئاته في الضفة والقطاع وبما يشعل النار ويحرق الأرض تحت أقدام كل الخلافات والفتن وكل محاولات شق الصف الوطني ، فالطاقات والإمكانات المتاحة وطنيا يجب أن تتوحد لا أن تتبعثر خلف مصالح فئوية رخيصة .
كل الميادين والشوارع في الضفة والقطاع معنية اليوم وبعد كل هذه المسرحيات الهزلية بأن تكتظ بالرافضين لهذا الخلاف ، و من خلال التظاهر ، والإعتصام ، والإضراب ، لماذا لا تتوقف الدراسة في المدارس والمعاهد والجامعات ولو لبضعة ساعات وعبر الأسلوب المبرمج المنظم ؟ لماذا لا يتواصل قرع الطناجر في المحافظات والمدن والقرى والبلدات ؟ لماذا نتظاهر ونعتصم ونحتج أمام السجون والمعتقلات الصهيونية ونلوذ بالصمت والسكوت أمام السجون والأقبية الفلسطينية التي تحتجز مئات الأبرياء من الشيوخ والشباب الذين اكتوت ظهورهم من سياط هذا الإنقسام المدان والمرفوض ؟
الأفكار والمبادرات العملية التي قد تلتقي على هدف إنهاء هذا الإنقسام وحرق وإغلاق ملفه إلى الأبد كثيرة ومتعددة ، وكلنا ثقة بأن شعبنا قادر على الإبداع في كل المجالات التي ستحمي القضية ، وتصون وحدتها ، وبما يجعل المواجهة قائمة يوميا وفي كل ساعة مع عدونا الذي اغتصب واحتل البشر والحجر والشجر على أرض الوطن ، هذا هو ميدان التحدي الذي يمنح أصدق الشهادات في النضال والكفاح للرجال الصادقين الذين يرفضون الإحتراق بنار جهنم هذا الإنقسام ، و الذي يجمع الكل بأن لا حديث عن التحرير و الخلاص من الإحتلال إلا بالإنتهاء من ملف هذا الخلاف الأسود .