على هامش هبّتَين شعبيتَين

حجم الخط

تشترك هبّة الأردنيين في رمضان الماضي، والهبّة الجارية في بعض المدن العراقية، في الطابع العفوي للحراك، والمشاركة الجماهيرية الواسعة، والمطالبة بحل معضلات غلاء الأسعار، وتقليص موازنات دعم المواد الأساسية؛ وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، ونقص الطاقة والكهرباء والسكن والمياه الصالحة للشرب، والتوزيع غير المُنصف للثروة، وسوء الإدارة العامة للبلاد، وتفشي مظاهر الفساد السياسي والمالي والإداري، وإجحاف القوانين الضريبية بحق الفئات والقطاعات الشعبية.

ويجدر التذكير، هنا، بأن تونس والمغرب شهدتا، في الآونة الأخيرة، احتجاجات شعبية رفعت نفس المطالب التي رفعها المتظاهرون الأردنيون والعراقيون. وكلها مطالب محقة ومشروعة، إذ هل يُعقل، مثلاً، أن تشحّ مياه الشرب، وغلاء أو نقص المحروقات في العراق الثري بالمياه والنفط؟ وهل يُعقل أن تستفحل مشكلة الفساد في العراق بعد سنوات على الإقرار الرسمي بوجودها، وتقديم الوعود الانتخابية المتكررة بحلها؟

لقد انتهت هبّة الأردن إلى ما انتهت إليه، لكن الاستجابة لمطالب المتظاهرين، جزئياً، أو حتى كلياً، إنما يشبه تسكين أعراض المرض، لا علاجه. فالحل، هنا، لن يكون كلياً إلا بإحداث تغيير جذري في السياسات الاقتصادية والاجتماعية، ودون ذلك تبقى الحالة الشعبية الأردنية على حالها. إن المطلوب هو الحل بالجملة وليس بالمفرق. وفي العراق يبدو أن لا أفق إلا للحل بالتسكين وبالمفرَّق. فالاستجابة هي، فقط، لمطالب سكان المدن التي تحركت، وكأن سكان بقية المدن العراقية لا يواجهون المشاكل ذاتها، وربما أكثر، وبصورة أشد وأسوأ.

وأكثر، ففي طريقة التعاطي الحكومي مع هاتين الهبّتين، ما يحرض على التفكير فيما هو أبعد وأعمق وأشمل، لا في الأردن والعراق، فحسب، إنما في جميع الدول العربية. إذ يبدو أن دروس ثماني سنوات من المأساة العربية الكبرى، لم تُهضم، كما ينبغي، بعد، ولم يتم التعلم منها، بصورة جدية بعد. يشي بذلك، مثلاً، أن تُرفع في وجه الهبتين في الأردن والعراق، وفي وجه الاحتجاجات الشعبية في كل من تونس والمغرب، فزاعة دخول الحركات التكفيرية الإرهابية، وبعض الأطراف الخارجية على خط هذه الهبات الشعبية. والسؤال هو أهكذا تُدرأ مخاطر الحركات الإرهابية والتدخلات الخارجية على أي حراك شعبي عربي؟

هنا، منعاً للالتباس وسوء الفهم، فلنقل: مع إقرارنا وقناعتنا بأن المخاطر المشار إليها قائمة وفعلية. ف«داعش» وأخواته لم ينتهيا كتنظيمات، إنما ك«دولة خلافة» مزعومة، فقط. أما التدخلات الخارجية فلم تنقطع، ولن تنقطع، ما دامت تعبيراً عن مصالح. لكن، هل تستقيم حماية الشعوب العربية من هذه المخاطر مع بقائها مقموعة وجائعة، أم العكس، إذ هل ثمة شك أن معضلات الفقر والبطالة والتهميش والقمع والحرمان من الحريات، هي التربة الخصبة، لولادة وانتشار وترعرع الحركات التكفيرية الإرهابية من كل نوع؛ ثم أليست هذه المعضلات هي الذريعة التي تتخذها أطراف خارجية للتدخل من كل طراز؟

في الواقع نحن إزاء وضعية عربية تحركها تناقضات معقدة وشائكة، ما يستدعي تقديم مقاربة دقيقة لكل حراك شعبي يطرح مطالب محقة ومشروعة، لا أن تبدأ مقارباتنا، بوعي أو بجهالة، بقصد أو بغير قصد، بسؤال: أهذا حراك تحركه أطراف خارجية، أم أسباب داخلية؟ إنه السؤال التبسيطي المُسبق الجاهز، ذاته الذي طُرح عندما انطلقت شرارة الحراك الشعبي العربي في تونس نهاية العام 2010. بل، إنه المدخل الخاطئ ذاته الذي أدى إلى معالجات خاطئة، وبالتالي، إلى النتائج الكارثية التي آلت إليها الأمور، وباتت معروفة للجميع.

ولو شئنا القبض على الاستخلاص الأساسي، هنا، لقلنا: إن غياب وجود أحزاب سياسية عربية معارضة مُنظَّمة وفاعلة وجدية، هو سبب اتسام كل حراك شعبي عربي بالعفوية التي تجعله قابلاً للتدخلات الخارجية بجنسياتها وأشكالها، وللسطو عليها والتسلق على كتفها من قبل حركات تكفيرية إرهابية عقيدتها إبادة كل ما عداها. وكل ذلك، إنما هو، حسب بعض المفكرين المصريين، نتيجة لسياسة «التجريف» «السياسي والحزبي» التي مارستها الرسميات العربية خلال العقود الأربعة الماضية.