المشروع الحضاري العربي والفرص الضائعة

حجم الخط

فرض واقع ما بعد الحرب الكونية الأولى على العرب، أن يكافحوا من أجل التحرر من نير الاستعمار، وتحقيق الحرية والاستقلال لشعوبهم. وقد ظل الوطن العربي، باستمرار في القلب من التحولات السياسية والاستراتيجية، التي تجري في العالم. وشاءت المقادير، أن يكون العرب ثقل الجغرافيا والتاريخ. وفي ظاهرة غريبة، كانت عوامل قوة الأمة من أسباب ضعفها.

والحديث عن الجغرافيا، هو حديث عن الثروات الطبيعية والمواد الخام، والإمكانيات الزراعية. وهو حديث عن البحار، والثروات الكامنة فيها، وهو حديث عن الممرات والمعابر الاستراتيجية، وعن علاقة وصل بالقارات القديمة الثلاث. أما التاريخ، فليس مجرد سجل راكد لتراكم الأحداث؛ بل إنه حكاية ما تختزنه الأمة من تراكم حضاري وإبداعات وعطاء إنساني، وهو أيضاً استيعاب موضوعي وخلّاق لقوانين حركته، ووضعها في سياق الحاضر والمستقبل.

حين دعت حركة اليقظة العربية للوحدة، منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كانت متماهية في ذلك مع واقع تاريخي ومعاصر، ربط بين الدولة المدنية التعاقدية، وبين نشوء الأمة/‏ الدولة.

وعلى هذا الأساس، لم تكن فكرة الوحدة مجرد إعادة تجميع لكيانات بقيت طويلاً أسيرة الاستبداد العثماني؛ بل كانت حلاً حضارياً للنهوض بهذا الجزء الممتد من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي، والذي تجمع سكانه لغة وتاريخ وجغرافيا، ومواريث مشتركة.

وكما في تشكل الأمم الأوروبية الحديثة، كانت اللغة هي العنصر الحاسم في تشكيل الأمة، رغم وجود مكونات لغوية تشاطر اللغة الأم في حضورها بتلك البلدان، بقيت اللغة العربية عنصراً حاسماً من عناصر تشكل الأمة في الفكر العربي.

الفارق الرئيسي بين المشاريع القومية الأوروبية والمشروع القومي العربي، هو أن المشروع الأوربي عبر عن بروز قوة اقتصادية فتية هي طبقة أرباب العمل، تناهض قوة آفلة هي الإقطاع، وقد نشأ المشروع القومي في السوق، في حين فرض الواقع التاريخي على الحركة أغرب، مناهضة للسوق، منذ تم الغدر بمشروع الحداثة العربي، باتفاقية «سايكس بيكو» ووعد بلفور.

خضع العرب فيما بعد الحرب الكونية الأولى، لاستعمار غربي تقليدي، كانت خصائصه الرئيسية تغيير البني الاقتصادية للمجتمع العربي، والتعامل مع الشعوب المستعمرة تعاملاً استعلائياً، لا يرى في حضارة العرب سوى الانحطاط والتأخر والهمجية. وهو فوق ذلك كله، احتلال غريب ومتغطرس، يمارس فيه أصغر جندي من قوى الاحتلال، صلفه على أكبر كبير في الأمة. وهو احتلال ثقافي يحاول المحتل عن طريقه قطع صلات الأمة بتاريخها وثقافتها وتراثها.

في حقبة ما بين الحربين العالميتين، وما أعقبها، كان الإيقاع السياسي الذي يموج به الشارع العربي، مفعماً بالأماني بقيام أمة عربية واحدة. وقد جاء ذلك متزامناً مع بروز مجموعة من الحقائق، أسهمت في تعضيد هذه التوجهات.

أبرز تلك الحقائق، هي اندلاع حركات التحرر الوطني في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، حتى باتت هذه الحركات أهم المعالم السياسية للقرن العشرين. أما الحقيقة الأخرى، فهي السجالات الواسعة حول مفهوم الهوية.

وكانت خلاصة تلك السجالات أن الإنجاز التاريخي الذي حققه العرب، بانطلاق الإسلام، لا يمس في جوانبه الإيجابية، المسلمين من العرب وحدهم؛ بل هو إنجاز تاريخي للعرب جميعاً؛ لأنهم وجدوا أنفسهم أمة واحدة من خلال الانطلاقة التي ارتبطت بالدعوة؛ ولذلك لا بد من تأكيد التواصل الحضاري في النهضة الجديدة.

ولن يكون بالإمكان تحقيق ذلك، إلا بنقلة تاريخية، تلامس عقل الإنسان العربي وروحه؛ توضح الرؤية وتقوي العزيمة... وفي معمعان هذا التحول في العقل والروح، تتحقق مشاريع النهضة القادرة على إجراء تحولات سياسية رئيسية، في البنيان الاجتماعي والسياسي للأمة.

لم يكتف الغرب الاستعماري بتقسيم الوطن العربي، وفقاً لمصالحه واستراتيجياته. فبعد التمكن من الجغرافيا، حان دور تدمير التاريخ، بتشويه وإسقاط المخزون الحضاري للأمة. ولم تكن من وسيلة ناجعة لتحقيق ذلك، أكثر من تدمير عناصر الوحدة والتماهي، وبعث الهويات ما قبل التاريخية.

ومن هنا كان تصريح الرئيس الأمريكي، هاري ترومان، إثر نهاية الحرب العالمية الثانية، بأن خرائط «سايكس بيكو»، تجاهلت حقوق المظلومين من أقليات دينية ومذهبية وإثنية، لكن ظروف ما بعد الحرب الكونية الثانية، واشتعال الحرب الباردة، عطلت مشروع ترومان.

ومنذ بداية هذا القرن، طرح مجدداً مشروع تفتيت الوطن العربي. وتحقق ذلك عملياً، منذ عام 2003، حين سقطت بغداد. ولتكون الهجمة موجهة، بشكل مباشر ضد الجغرافيا والتاريخ، من خلال الفساد والنهب وتدمير صيغة الاندماج بين مكونات المجتمع الواحد، وليتبع ذلك اندلاع خريف الغضب العربي، متسبباً في مصادرة كيانات وتدمير أوطان، ولتبعث هويات التطرف والتكفير، ليعاد لمشروع ترومان، الذي بشّر به قبل أكثر من سبعين عاماً ألقه وحضوره.

إن المراجعة النقدية لأفكارنا وأخطائنا، ينبغي ألاَّ تكون هروباً إلى الخلف. فهناك أخطاء كثيرة وفرص ضائعة، ينبغي أن تكون حاضرة في ذاكرتنا عند محاولتنا الخروج من المأزق الراهن.