يهودية الدولة من وعد بلفور إلى قانون القومية

حجم الخط

وقع الشعب العربي الفلسطيني ضحية الصراع التاريخي الحضاري بين الغرب الاستعماري والشرق العربي الإسلامي، فكان هدف السيطرة الاستعمارية الغربية على الوطن العربي لنهب مقدراته لا يتحقق بشكل كامل ودائم إلا من خلال تجزئة الوطن العربي، وزرع كيان غريب في وسطه، وذلك بالسيطرة على فلسطين نظرًا لما تتمتع به من موقع جغرافي فريد يسمح بإقامة أي كيان غريب فيها، يفصل المشرق عن المغرب العربيين، وبذلك التقت أهداف الحركة الصهيونية العالمية مع حركة الاستعمار الغربي في تحويل فلسطين إلى وطن قومي لليهود.

قبل صدور وعد بلفور كانت هناك وعود دينية أوروبية لليهود بإقامة دولتهم اليهودية في فلسطين، وكان الهدف منها أيضًا زرع جسم غريب في وسط المنطقة العربية لإضعاف الشرق العربي الإسلامي في مواجهة الغرب الصليبي، وقد كانت الحملات الصليبية تتم قديمًا قبل ذلك ضمن إطار هذا الصراع الحضاري التاريخي، وعندما انتهت بفشل أهدافها جاءت حملة نابليون الذي انكسرت أحلامه على أسوار عكا، وكان هو الآخر قد استنجد باليهود ودعاهم لإقامة دولتهم اليهودية (المقدسة)، وهكذا فإن بريطانيا ليست الدولة الغربية الاستعمارية الوحيدة التي كانت تدعو اليهود لإقامة دولتهم في بلادنا، بل إن فرنسا كانت قد سبقتها أيضًا إلى ذلك بتحريض يهود أوروبا على إقامة دولتهم وكل تلك الوعود الدينية الأوروبية لليهود كان مبعثها الصراع الحضاري الديني بين الغرب الذي اعتنق المسيحية الغربية وهي تخالف مسيحية الشرق، لخلُوّها من قيم التسامح والتعايش بسبب تأثرها بالوثتية الإغريقية والنظرة المادية للحضارة الرومانية وبين الشرق الإسلامي، غير أن تحول الصراع بعد ذلك بين الغرب والشرق من طابعه الديني إلى طابعه السياسي الاستعماري، بانهيار عصر الإقطاع السياسي الأوروبي وصعود البرجوازية الأوروبية، هو الذي مهد لظهور وعد بلفور الذي كان ترجمة سياسية لوثيقة بانرمان التي أصدرتها بريطانيا والتي تدعو فيها إلى إقامة جسم غريب في قلب الوطن العربي، لإعاقة وحدة شعوبه المتجانسة دينيًا ولغويًا حفاظًا على المصالح الاستعمارية.

وعلى طريق تحقيق الحلم الصهيوني الذي بشر به الصحفي اليهودي النمساوي تيودور هرتزل في المؤتمر الصهيوني الأول الذي انعقد في مدينة بازل بسويسرا، حين قال في اختتام أعماله أعلن الآن قيام الدولة اليهودية، وبعد سبعين عامًا على قيام الكيان الصهيوني الذي تم الإعلان عنه من قبل بن جوريون في الخامس عشر من مايو عام 1948، تحقيقًا لوعد بلفور يقر الكنيست الإسرائيلي قبل أيام قانون القومية العنصري الذي ينتقص من الحقوق المدنية والسياسية للأقلية العربية في الكيان، وينزع عنهم صفة المواطَنة بما في ذلك من إعلان الحرب على الهوية العربية من خلال المس بقيمة اللغة العربية وانتفاء جعلها لغة رسمية في البلاد، وكل  ذلك تجسيدًا لتحقيق هدف يهودية الدولة التي تجعل حكومة اليمين الإسرائيلي المتطرف الاعتراف الفلسطيني والعربي بها شرطًا أساسيًا للانخراط بعملية سلام حسب الرواية اليهودية.

بإقرار قانون القومية الصهيوني يدخل الفكر الديني الصهيوني في مرحلة جديدة في الصراع مع القومية العربية، وذلك بتوسيع مفهوم عنصرية وعدوانية الدولة القومية مما يجعل أراضٍ عربية في دول الجوار محل استهداف لحركة الاستيطان اليهودي، وهذا يعني أن ما أصاب فلسطين وأصاب شعبها جراء إقامة العدو الصهيوني لكيانه عام 1948 ممكنٌ أن يتكرر في المحيط العربي، حيث رسمت الحركة الصهيونية حدود دولة إسرائيل من النيل إلى الفرات، وهذا ما يشير إليه علم الدولة الإسرائيلية  بخطين أزرقين متوازيين، تتوسطهما نجمة الملك داوود.

في خضم ذلك المشوار السياسي للمشروع الصهيوني، ومابين وعد بلفور وقانون القومية العنصري كان الفكر السياسي الصهيوني يبرر بشكل دائم سياسة التوسع  والاستيطان حسب النظرية العنصرية، وذلك بالسير على خطى الفكر النازي الألماني الذي كان يمزج النزعة القومية بالنزعة العرقية للجنس الآري في محاولة لتبرير عقدة التفوق على الشعوب الأخرى وجعل هذه العقدة حافزًا للسيطرة والتوسع بهدف تحقيق ما كان يطلق عليه في الدعاية النازية، الذي كان يقودها وزير الإعلام الألماني غوبلز، بالمجال الحيوي للشعب الألماني وفق شعار ألمانيا فوق الجميع الذي يشابه إلى حدٍّ كبير في الدلالة اللغوية والمعنوية شعار الدولة العبرية العنصري شعب الله المختار، وبهذا الشعار العنصري يصبح الصراع بين الأمة العربية والكيان الصهيوني صراعًا تاريخيًا مفتوحًا، لا تغلقه معاهدات الصلح والاعتراف التي تمت مع كل من مصر والأردن ومنظمة التحرير، ولا تلغيه إجراءات التطبيع المتتابعة من دول الخليج التي تتزاحم فيما بينهما، حول أيٌّ منها الأكثر قدرة على الوصول إلى تل أبيب لكسب رضا نتياهو.