ورشة المنامة: اصطفاف رسمي عربي خلف مشروع التصفية

حجم الخط

كشفت المساعي الأمريكية التي تبذل بشكل نشط هذه الأيام عن طريق كوشنر اليهودي صهر الرئيس الأمريكي ترامب، وجبسون جرينبلات مبعوث السلام الأمريكي في الشرق الأوسط، لتمرير ما تسمى بصفقة القرن التصفوية؛ كشفت بشكل واضح أكثر من أي وقت مضى طبيعة العلاقات الأمريكية - العربية الحالية، وهي علاقات قائمة تاريخيًا على الإذعان والخضوع للموقف السياسي الأمريكي تجاه كل القضايا الإقليمية والدولية، بسبب حالة التبعية بكل أشكالها مع النظام الرأسمالي الإمبريالي العالمي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

فمؤتمر المنامة الاقتصادي الخياني التآمري يشكل الحلقة الأولى للتسوية الأمريكية التصفوية للقضية الفلسطينية التي تعرف على المستوى الإعلامي بصفقة القرن، حيث أخذت غالبية الأنظمة العربية تعلن موافقتها تباعًا على الحضور، دولة وراء الأخرى، وكان آخر الدول مصر والأردن والمغرب، وسوف لن تكون هي الأخيرة في طريق الانصياع للإرادة الأمريكية رغم مقاطعته من قبل الطرف الفلسطيني الذي أدان الإعلان عنه بشدة، وطالب الدول العربية بعدم المشاركة فيه؛ لأنه يعقد وفق شعار تضليلي بعيد عن قرارات الشرعية الدولية: "الازدهار مقابل السلام" بدلا من الأرض مقابل السلام، الشعار الناظم والأبرز الذي يقوم عليه مشروع حل الدولتين الذي يحظى بإجماع دولي، والذي تخلت عنه مؤخرًا إدارة ترامب المتصهينة.

إن ورشة البحرين التي ستعقد في أواخر شهر يونيو الجاري تهدف بشكل أساسي إلى تحقيق هدفين أساسيين أولهما: الالتفاف على طبيعة القضية الفلسطينية، بتحويلها من قضية سياسية كما هي مطروحة على جدول أعمال هيئة الأمم المتحدة التي أصدرت بشأنها عدة قرارات دولية أهمها قراري التقسيم رقم 181 وحق العودة والتعويض للاجئين الفلسطينيين رقم 194، إلى قضية اقتصادية معيشية كحالة إنسانية تستوجب عطف المجتمع الدولي؛ وثانيهما: تحويل طبيعة الصراع الصهيوني - العربي الذي تخلله عدة حروب إلى رؤية جديدة بجعل منشأه الأساسي العامل الاقتصادي، وليس تناقضًا بين مشروعين يحكمهما معًا تناقض رئيسي كما هو حال الثورات الوطنية ضد الاستعمار، وهو ما جعل مشروع السلام الاقتصادي يطرح بين فترة وأخرى على جدول التسويات السياسية المطروحة، ولكن عدم تطبيقه يرجع لعدم اعتماده من قبل قوى إقليمية ودولية خاصة موقف الاتحاد الأوروبي الممول المالي الأكبر للسلطة الفلسطينية، الذي يدعم مشروع حل الدولتين، ولا يبدي استعداده للتعاطي مع صفقة القرن الأمريكية التصفوية.

باختصار، فإن الحضور العربي لورشة المنامة الاقتصادية هو التأكيد بالممارسة على انتهاج طريق التآمر على القضية الفلسطينية والعمالة لواشنطن؛ لأن هذه المشاركة في أعمال هذه الورشة التي ستبحث مصير قضية سياسية في غياب ممثلها الشرعي الوحيد هي عمل سياسي يتعارض مع منظومة الأخلاق العربية الصادقة التي درج العرب على ممارستها في حياتهم القبلية والحضرية في مناصرة المظلوم والوقوف معه حتى يسترد حقوقه، والقضية الفلسطينية بالطبع هي أكبر مظلمة سياسية في التاريخ الإنساني المعاصر، لأنها قضية شعب عادلة اقتلع من أرضه ليحل بدلًا منه مهاجرون يهود لفظتهم أوطانهم الأصلية – في سياق مشروعها الاستعماري المتحالف مع الحركة الصهيونية - لما عرف عنهم من خبث وعزلة في أحياء منغلقة تعرف بالجيتو، وتطرف عنصري مصدره فكر ديني أسطوري/خرافي، حيث كان مطلوبًا من جميع الأنظمة العربية بدون استثناء واجب الوقوف مع الشعب العربي الفلسطيني وحقوقه التي تسعى الحلقة الأولى من صفقة القرن في الورشة المذكورة مصادرتها، لا أن تهرول إليها كسبًا لإرضاء ترامب وصهره كوشنر اليهودي.