على هامش تصريحات فريدمان

حجم الخط

«من حق «إسرائيل» أن تضم أجزاء من الضفة الغربية.. وآخر ما يحتاج إليه العالم هو إقامة دولة فلسطينية فاشلة». هذا ما قاله، الأسبوع الماضي، سفير الولايات المتحدة لدى ربيبتها «إسرائيل»، ديفيد فريدمان. وإذا أخذنا بالحسبان أن المذكور إنما يعبر عما تعتزم إدارة الرئيس ترامب، إعلانه. أما تحفُّظ وزارة الخارجية الأمريكية الخجول على تصريح هذا السفير فعديم الجدوى، بحسبان أن الأخير هو، ككل سفراء الولايات المتحدة في العالم، لا يتبع وزارة الخارجية؛ بل البيت الأبيض. وإذا أضفنا أن فريدمان هذا كان قد كشف فحوى قرار رئيسه ترامب، بشأن القدس قبل إعلانه بصورة رسمية، فإن على العالم أن يتوقع، فعلاً، إقدام الرئيس ترامب على اتخاذ قرار بشأن منطقة الأغوار والمستوطنات اليهودية في الضفة، ليضاف إلى قراراته السابقة، المتعلقة بالاعتراف بالقدس عاصمة ل«إسرائيل»، وب«نقل السفارة»، وبالعمل على شطب وكالة «الأونروا»؛ توطئة لإسقاط حق اللاجئين في العودة والتعويض، وبالاعتراف بسيادة «إسرائيل» على هضبة الجولان السورية المحتلة.
أما تزامن كلام فريدمان هذا عن الضفة مع فشل رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو، في تشكيل حكومة، واضطراره إلى إجراء انتخابات جديدة، فيعني أن فريدمان، ومن خلفه جميع أركان البيت الأبيض، ورئيسه ترامب تحديداً، إنما يريدون تقديم هدية لنتنياهو، علّها تساعده على الفوز في الانتخابات البرلمانية القادمة في 17 سبتمبر/أيلول المقبل، علماً أن الأخير كان قد أعلن، بصورة رسمية، عزمه تطبيق القانون «الإسرائيلي» على جميع المستوطنات في الضفة.
هنا، يجدر التذكير بأن فريدمان هذا لا يجهل، وهو المحامي أصلاً، أن حديثه عن (حق «إسرائيل» في ضم أجزاء من الضفة)، يتناقض كلياً مع القانون الدولي الذي يعد الضفة وقطاع غزة «أرضاً محتلة»، وبأنه لا يجهل، أيضاً، أن حديثه عن (عدم حاجة العالم لإقامة دولة فلسطينية فاشلة)، إنما يعادل إطلاق رصاصة الرحمة على ما يُسمى ب«حل الدولتين»، وبأنه لا يجهل، أيضاً وأيضاً، أن ما يتبرع به ل«إسرائيل» في الضفة، إنما يستند إلى «الوعد الإلهي» المزعوم، و«وعد بلفور الاستعماري» المشؤوم، كوعدين استندت إليهما «إسرائيل» التي، وكما فعلت في الأراضي الفلسطينية التي احتلها عام 1948، باشرت فور احتلالها للضفة الغربية وقطاع غزة، عام 1967، تنفيذ مخططاتها الجاهزة؛ لاستيطان وتهويد والسيطرة على هذا الجزء من أرض فلسطين.
وبقدر ما يتعلق الأمر بالضفة الغربية، فقد أقدمت «إسرائيل» هذه على ضم القدس، واعتمدت خطتيْن للبناء الاستيطاني؛ هما: «خطة آلون» التي تبنتها ونفذتها، بين العامين 1967 و1977، حكومات معسكر «حزب العمل»؛ لتمزيق أراضي الضفة، طولياً، و«خطة دوبلس» التي تبنتها ونفذتها، منذ عام 1977، حكومات معسكر «حزب الليكود»؛ لتمزيق هذه الأراضي، عرْضِياً، جنباً إلى جنب مع مواصلتها البناء الاستيطاني، طولياً، وفقاً ل«خطة آلون» آنفة الذكر. 
والآن، بعد مرور 52 عاماً على عدوان عام 1967 يتضح، كما لم يتضح من قبل، أنه لا معسكر «حزب العمل» الذي أبرم، عام 1993، اتفاق أوسلو، ولا معسكر «حزب الليكود» الذي رفض هذا الاتفاق، كانا على استعداد، في يوم من الأيام، لتفكيك وإخلاء الكتل الاستيطانية القائمة في الضفة. هنا تتكشف نتائج واحدة من خطايا «أوسلو»، أعني خطيئة قبول قيادة منظمة التحرير الفلسطينية التفاوض في ظل استمرار؛ بل وتصعيد، سياسة مصادرة الأرض واستيطانها وتهويدها وتفريغها من أهلها.
قصارى القول: إن أياً من هذين المعسكريْن لم يكن يوماً مع إقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة ولو على حدود الأراضي التي احتلت عام 1967. ففي حين تمسك معسكر «حزب العمل» بمعادلة: حكم ذاتي إداري للفلسطينيين، فإن معسكر «حزب الليكود» تمسك بمعادلة: «سلطة واحدة بين البحر والنهر». أما رعاية الولايات المتحدة ل27 عاماً من المفاوضات الثنائية المباشرة لتحقيق معادلة «الأرض مقابل السلام»، فلم تكن سوى غطاء لربيبتها «إسرائيل»؛ كي تستكمل تنفيذ الخطتيْن الاستيطانيتيْن آنفتي الذكر، وبثاً للأوهام لدى القيادة الرسمية الفلسطينية. كيف لا؟ فيما لم تضغط أي إدارة من الإدارات الأمريكية السابقة على «إسرائيل»؛ لإلزامها بوقف عمليات الاستيطان والتهويد، بينما تواصل الإدارة الأمريكية الحالية مساعيها؛ لدفع العالم إلى الاعتراف ب(«إسرائيل» اليهودية الكبرى)، على كامل مساحة فلسطين، وأجزاء أخرى من الأرض العربية.