بيروت — أُطلق اليوم الخميس الموافق 25/09/2025 كتاب «نضال واستثناءاته» في احتفال ثقافي في ملتقي السفير / بيروت ، حضره رفاق وأصدقاء ومثقفون،الذي صدر بالتعاون بين دار الفارابي والأكاديمية. ، وبحضور نوعي عبّر عن وفاء ودعم لقضية الشهيد نضال والقافلة المضيئة وذكراها. اختتمت بإطلاق فرقة القادمون للأغنية الوطنية .
وتحدث فيها د. حسن خليل، عضو المكتب السياسي في الحزب الشيوعي اللبناني ومدير دار الفارابي ومروان عبد العال عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية والروائي صديق نضال ورفيق دربه، وقدمت تغريد عبد العال الندوة قائلة أن نضال دائما كان يقول كل شيء هو تجربة.. والآن عرفت ماذا كان يقصد، فالصالة رسالة وتجربة لجيل وراء جيل وقرأت بتأثر قصيدة تصبحون على وطن لمحمود درويش..
وأما د. حسن خليل فقد تحدث بكونه صديقا لنضال ورفيقه وأنه كان وكأنه في الحزب الشيوعي اللبناني. وقرأ من كلمته التي كتبها في الكتاب.
في كلمة مؤثرة وشاملة عبّر مروان عبد العال عن امتنانه لدار الفارابي وفريق الأكاديمية والمصمم جيفارا، والتي أعدت الكتاب تغريد ، مؤكداً أن الحضور في حد ذاته هو تعبير عن الوفاء، ومشيراً إلى أن إطلاق هذا الكتاب هو في جوهره تكريم للشهداء بعد مرور عام على استشهاد قادة ورفاق ما زالت قافلتهم المضيئة تسير رغم كل شيء. وأوضح أن الكتاب يشكّل محاولة لاستكشاف قدرة النضال على تحويل الحزن إلى ضحكة، والألم إلى جمال، والفقد إلى كلمات، بحيث لا يذهب الشهداء إلى النوم، بل يواصلون حضورهم بين السطور وتجاويف الروح وفي مسيرة البحث عن الحرية والكرامة.
عبد العال اعتبر أن الاستثناء الذي صنعه نضال يجد جذوره في طفولة المخيم التي غرست فيه روح المقاومة والانتماء للأرض، وفي مسيرته المبكرة التي جعلته ضابطاً شاباً وقائداً عسكرياً وسياسياً مثقفاً بالسلاح والفكر معاً، ثم في شغفه الثقافي الذي بنى به نفسه بنفسه من خلال مكتبته الخاصة والمنتديات الشبابية ومخيمات التثقيف التي حملت اسم غسان كنفاني. وأشار إلى أن الاستثنائية الحقيقية تجلت في عجلته الدائمة، وفي إحساسه بالنقص الذي حوّله إلى دافع للمعرفة والإبداع والكتابة، لتبقى نصوصه شاهدة على مسيرة لم تكتمل لكنها بقيت حيّة بالأسئلة وبالتمرد على النقص والناقص.
وقال إن نضال جعل من الثقافة حاجة مثل الخبز والماء، وكان أول قارئ ومصحح ومتابع للمخطوطات الروائية، مكرّساً الكتابة كفعل تمرد وتصحيح وثورة. وأضاف أن الشهداء الذين «يذهبون إلى النوم» لا يختفون بل يواصلون العيش في الوعي والذكرى والنصوص وفي كل جيل يختار الكرامة والحق على الخضوع.
وختم عبد العال بالتأكيد أن الوفاء الحقيقي هو الجسر الذي يربط بين الماضي والحاضر، وأن الحكاية ستستمر لأنها «حرب سرديات» يخوضها أبناء شعب لا يعرف الهزيمة، حاملاً في ذاكرته كلمة غسان كنفاني عن الحالم الذي يسير رغم كل شيء.
تاليًا نص كلمة الرفيق عضو المكتب السياسي للجبهة مروان عبد العال:
أولاً، أشكر دار الفارابي مديرًا وفريقًا، وتغريد على متابعتها وإعداد الكتاب. وأشكر الرفيق المبدع جيفارا، مصمم الغلاف. شكراً للملتقى، لذاكرة السفير، وشكراً لكم، فحضوركم هو تعبير عن وفائكم.
أيها الأصدقاء والرفاق،
إنه احتفاء بإطلاق كتاب، أو ميلاده، إحياءً وتكريماً للشهداء. بعد مرور عام على استشهاد قادة ورفاق، وعلى مرور القافلة المضيئة التي، رغم كل شيء، ما زالت تسير. قافلة خاضت معركة الشرف والأخلاق والحق، وقدّمت سيدها ونضالها ومشاعل مضيئة من شعب الملائكة. نعم، فرضت علينا استثنائيتها، وفرض النضال استثناءه، من شعب استثنائي في أن يكون هذا اليوم ولادة كتاب في يوم الشهادة.
في هذا الفضاء، فضاء نضال واستثناءاته، سأجترح محاولة استكشافية في سرّ قدرته على تحويل الحزن إلى ضحكة، والألم إلى جمال، والفقد إلى كلمات، كي لا يذهب الشهداء إلى النوم. إنهم بين السطور، في تجاويف القلب وثنايا الروح. يعيش الشهداء عماد وعبد وإضاء وسليمان وشوكت في كل حرف، ويواصلون معنا رحلة البحث عن نضال واستثناءاته، في قافلة الحرية والكرامة على طريق فلسطين، وكأنهم لا ينامون أبداً.
أيها الأعزاء،
لا يوجد تاريخ سياسي بدون الشغف، أي بدون تلك العلاقة الثلاثية بين المثقف والمجتمع والوطن، كما كتب غرامشي. وهذا الشغف هو جوهر الاستثناء.
طفولة المخيم كانت استثناءً بحد ذاتها. “كل يما من شان تكبر وتصير فدائي”. من تكون له أم فلسطينية كأمه، فهذا وحده يكفي ليصنع منه بطلاً لكل الفصول وفي كل الروايات. تماماً كما هي الأم في رواية مكسيم غوركي التي التحقت بابنها على عكس باقي الأمهات، أو مثل “أم سعد” الفلسطينية، التي بقيت معلّقة بين المخيم وفلسطين، بين خيمة وخيمة، أمّاً تلد رجالاً، وفلسطين تأخذ. هكذا كان المخيم المدرسة الأولى للوعي، حيث تعلّم الصغير معنى النضال، وقام بتغيير اسمه من محمد إلى “نضال”. لعبة الحرب الأولى، ومع والد حكيم يحسن السرد بالقصة والمعلومة، كان يتلو على مسامعه قصص الجد محمد العبد الله، وثوار 1936، يوم جاء إلى بيروت لجمع السلاح لفلسطين، وعن قرية الغابسية والأجداد ومسلة أديم وشجرة “ستنا السدرة” ويوم النكبة، ومَن قاوم ومَن خان. هكذا غُرست فيه روح المقاومة والانتماء للأرض والحق.
بالأمس، استغربتُ صهيونياً مستورداً يقول إنه يريد أن يفصل بالجينات بين الفلسطيني وأرض فلسطين! ومن يريد أن يعرف ويقدّس حق العودة حقاً، فليقرأ نضال ورفاقه الأبطال، من كتيبة مقاتلين كانت على الطريق، على بوابة فلسطين، وعينها على الجليل.
صعود النضال ومسيرته الأولى حمل الكثير من التحديات، حين قطع دراسته المدرسية لم يتوقف عن التعلم، فالتحق بالكلية العسكرية في ليبيا، وتخرّج أصغر ضابط في الجبهة، والتحق بالعمل العسكري الخاص قبل تحرير الجنوب، ظل يحمل عبء وطن بأكمله في قلبه، لم تكسره الصعوبات، بل صنعت منه مناضلاً واعياً، قادراً على اتخاذ القرار، ومُلهمًا لمن حوله. كان يرى في النضال أكثر من مجرد مقاومة، بل فلسفة حياة أخلاقية تتحدى الظلم وتزرع الأمل، لذلك استحق أن يكون شاملاً، سلاحاً مثقفاً وذكياً، يعرف أين وكيف يخترق العدو ويصيبه. ساهم في بناء المقاتل الذي يدافع عن شعبنا في وجه الإبادة والمحو، صار عضواً في المكتب السياسي في موقع الاشتباك التاريخي مع العدو، وكان بذلك أول الأهداف مع رفاقه وسيد المقاومة في بيروت، صار مع بيروت صلة ثورة وأجداد وبنادق ودم أيضاً.
أما عن بنائه لنفسه، فقد كان بحق من المثقفين الذين ثقفوا أنفسهم، لم يكمل دراسته في المدرسة، لكنه أسس مكتبته الخاصة منذ وقت مبكر. شارك في المنتدى الأدبي والثقافي في المخيم، وفي منظمة الشبيبة الفلسطينية، ومخيم غسان كنفاني الشبابي، كما انخرط في الدورات التنظيمية والمدارس التثقيفية التي حملت اسم غسان. كان يقرأ بشغف ويلاحق كل جديد، يسبق أقرانه إلى اقتناء العناوين، يغوص في محتواها كأنه مثقف بالفطرة. لم يكن قارئاً فقط، بل كان يلخص الكتب ويصورها ويوزعها وينظم حلقات نقاش حولها. مثقف بلا شهادة، لكنه صنع مساره الخاص، بين الفكر والمعركة، بين الكلمة والبندقية.
أما استثنائيته الأخرى، فهي النقص والعجلة. كان “أبو عجقة”، مميزاً، يريد أن يفعل كل شيء دفعة واحدة: يقرأ أكثر من كتاب في آن، يقوم بأكثر من مهمة، يجمع المتناقضات، كان يعتبر نفسه الأقل ثقافة بين رفاقه، لكن هذا الشعور جعله الأكثر شغفاً بالنقاش والأكثر إصراراً على الكتابة، كانت كتاباته “استثناءً جميلاً”، استثنائيتها أنها لم تكتمل. فضل النقيب وصف غسان كنفاني بأنه “ناقص” بمعنى أنه لم يكتمل، كتب ولم يكتب كما أراد تماماً. نضال أيضاً كتب وهو يركض، يكتب وسط حركة الزمن والنضال. هذا الإصرار جعل كتاباته رمزاً للحياة المستمرة، وللنضال الذي لا يعرف السكون، لذلك نحتفل بالإنسان الذي جعل من النقص قوة وإلهاماً، الفلسطيني بامتياز، اللاجئ المقاتل، الذي يكتب ويعيش ويحلم وهو يركض.
أما أثره، فهو لا يفنى، وفكرته لا تموت. الثقافة كانت لديه حاجة مثل الخبز والماء. كان أول من يقرأ مخطوطاتي الروائية قبل نشرها، يسهر عليها، يكتب ملاحظات ويصحح كأنه أستاذ أدب. كنت أسأله وأسأل نفسي: لماذا يكتب؟ ولماذا يصرّ على هواية ليست سهلة؟ لم تكن شهرة ولا مالاً ولا خلوداً، بل كانت الكتابة لديه تمرداً، تصحيحاً، وثورة.
أيها الأحبة،
“عندما يذهب الشهداء إلى النوم”، لا نعني بذلك نهاية الحياة، بل بداية رحلة في الوعي والذكرى.
اليوم، بعد رحيله، ما كتبه رفاقه وأصدقاؤه وأحبته عنه، وما نراه فيه، يجعلنا نراه حياً في كل نص، وفي كل جيل يواصل المسيرة. الشهداء الذين ينامون لا يختفون؛ أرواحهم تعيش فينا، في كتبنا وكلماتنا، وفي كل لحظة نختار فيها الحق والكرامة. الوفاء الحقيقي أن يكون جسراً يربط بين الماضي والحاضر، بين النضال والحلم، ليبقى استثناءه الجميل الذي لم يُكتب بعد. لكن الحكاية ستستمر.
إنها حرب السرديات، ونحن فيها ومعها، نقاوم بكل حواسنا، بكل أشكال النضال، وبكافة الأسلحة. تذكروا دائماً: نحن أبناء شعب الحكاية، لا يعرف الهزيمة، ولا تُمحى بطولاته الاستثنائية. سنبقى نجسد كلمات غسان كنفاني عن الحالم الذي يسير رغم كل شيء.




