حين يتعلق الأمر بفلسطين.. كل شئ يختلف... ولكن بشرط....!

حجم الخط

"سقطت الصفقة... وبقي القرن مغروزا في حكّام الخليج!".

يعتقد ترامب أن بمقدوره أن يقود معظم الأنظمة العربية بالتهديد والترغيب والتبعية إلى حيث يريد.

في الحقيقة إنه محق في هذا وإلى حد بعيد.

فقد حدث ذلك حين حشد وجيّش معظم تلك الأنظمة لحصار العراق واحتلال بغداد.. وحدث أيضا حين تم تدمير ليبيا ، وحدث حين تم حشد النظام الرسمي العربي وجامعتهم السخيفة لشن الحرب على سورية قلب العرب النابض، وحدث أيضا حين تم حشد التحالفات والقوى لشن الحرب على يمن العروبة االشجاع.

كما حدث ويحدث في حشد معظم العربان لمحاصرة إيران وفرض العقوبات عليها واعتبارها العدو والتهديد.

هذه الحقائق أوهمت ترامب أن ذات المنطق وذات السياسة ستنجح حتما بالضغط والتهديد والوعيد والتوبيخ والإغراء لفرض ما يسمى "صفقة القرن" وتصفية القضية الفلسطينية ومقايضتها بحفنة دولارات، مرة واحدة وإلى الأبد.

78% من فلسطين تم احتلاله عام 1948،وتم الاعترف بإسرائيل كدولة في الأمم المتحدة، ثم جرى احتلال باقي فلسطين (الضفة وغزة و القدس الشرقية ) في حزيران عام 1967 ، ومع ذلك بقي الفلسطينيون يناضلون من أجل استعادة وطنهم، إذن ما الهدف العميق لصفقة القرن ما دامت فلسطين محتلة وإسرائيل معترف بها دوليا؟.

جوهر "صفقة القرن" هو إجبار الفلسطينيين كخطوة أخيرة على توقيع التنازل عن حقوقهم التاريخية والوجودية في فلسطين والاعتراف النهائي بها وطنا لليهود، بحيث لا تعود أي مطالبة أو مقاومة فلسطينية سابقا والآن ولاحقا شرعية. هذا هو بكل بساطة ما تستهدفه صفقة القرن.

أمام هذه الحقيقة وبعد تجربة الفلسطينيين المرة كالعلقم مع اتفاقيات أوسلو... وقفوا وقالوا كلمتهم: لا لصفقة العصر والعار. 

هنا كانت المفاجأة... فرغم كل الثقل والإغراءات والتهديد الذي وضعته أمريكا وحلفائها إقليميا وعالميا، سياسيا واقتصاديا وإعلاميا وعسكريا إلا أنها فوجئت مع أول اختبار للصفقة في ورشة أو بازار البحرينالاقتصادي بمستوى الهزال الخيبة.

ف"مؤتمر المنامة الذي يشكل الاختبار الأهم لقدرة أميركا على تأمين الحشد اللازم للإقلاع بصفقة القرن، التي تشكّل عنوان المشروع الأميركي لشرق أوسط جديد، ينعقد بحضور جدّي واضح من عدد من الحكومات العربية بعدد أصابع اليد الواحدة، وبغياب رسميّ واضح موازٍ بالعدد، لفلسطين وسورية والعراق ولبنان والجزائر، وبينهما تراوح في الغياب والحضور دول كالكويت و قطر وعُمان من جهة، وموريتانيا وتونس من جهة موازية، حيث في الجانب الأول تريّث لعدم الوقوع في خطأ الحساب، وفي الجانب الثاني أحزاب سياسية وحركات في الشارع وفي المجلس النيابي تعلن تجريم الحضور وتفتح النار عليه. والحكومات مرتبكة القرار.

في كل المعارك التي خاضتها واشنطن منذ العام 2000 نجحت في الحفاظ على تماسك موقف عربي رسمي وراءها، حتى جاء موعد الحصاد، في كيفية تسييل هذا الفائض الأميركي في الجيب الإسرائيلي، فبدأ التغيير، والضربة القاضية كانت فلسطينية" (ناصر قنديل – صحيفة البناء اللبنانية 25 حزيران 2019).

إذن "يمكن مجازاً الظن أنها (أي الصفقة)سميت كذلك لأنها مشروع صفقة، ومشروع قرن، صفقة تنهي القضية الفلسطينية، وقرن التطبيع مع الخليج، أما وقد سقطت الصفقة فقد بقي القرن مغروزا في الخليج" (ناصر قنديل – صحيفة البناء اللبنانية 26 حزيران 2019).

الفكرة أنه ومهما بلغت درجة الرداءة والهبوط والتبعية والتفاهة عند النظام الرسمي العربي... فإن الأمر حين يصل إلى فلسطين والقدس.. فإن كل شئ يختلف... فمع فلسطين لا تنفع المغامرة والمقامرة والمتاجرة والمسايرة، فاللعب هنا ممنوع ومكلف وخطير. 

أما "من يظن أن العبث مع فلسطين والقدس ممكن، عليه أن يفسر هذه الخيبة وهذا الفشل، ومن يعتقد أن الأميركي ممسك بالوضع العربي عليه أن يضع تحفظاً ويضيف «حتى يصل الأمر إلى فلسطين» (ناصر قنديل – المصدر السابق).

هذا يعني أن فلسطين وبالرغم من احتلالها وكل ما تتعرض له إلا أنها بقيت خافية ناظمة للوعي والوجدان العربي الشعبي العميق وللدول التي تلازم خط الواجب دفاعا عن فلسطين... تلك الخافية شكلت قوة حارسة وفاعلة لوضع حد وألف قيد في وجه أي نظام يجرؤ على العبث بها. 

فلسطين هي خافية وحدة العرب حتى وهم مقسّمون وبوصلة الوجدان حين ترتبك السياسات والمواقف.. وحين تسود تجارة المفرق والمناكفات القطرية والنزاعات والخلافات والاختلافات والاحتراب الطائفي.. فالشارع العربي قد يختلف ويتناقض على أي شئ؛ سياسيا واقتصاديا، لكنه حين يصل الأمر إلى فلسطين.. فإنه يبدو حينها وكأنه يستيقظ فيستعيد توازنه وذاته وأصالته... وينهض ليقول كلمته: هنا ممنوع اللعب... ومحظور العبث.

الشعوب العربية تتحمل القهر والقمع.. وتتحمل أثقال ثمن رغيف الخبز وحبة الدواء وأهوال الديون والقروض والفقر والبؤس.. لكنها مع كل ذلك حين يتعلق الأمر بفلسطين تتجاوز آلامها وأوجاعها وخيباتها... حينها تنهض لتدافع عن عنوان ومتراس كرامتها الأخير ... ذلك لأنها تدرك في أعماقها أن التنازل عن فلسطين وتصفية قضية فلسطين، يعني مباشرة تأبيد تمزقها وترسيخ تبعيتها وخضوعها السياسي والاقتصادي... فبقاء قضية فلسطين حية هو بمثابة قوة دافعة وأمل ينبض في أعالي الوعي العربي.. بما يعنيه ذلك من بقاء فرصة المقاومة من أجل التحرر والاستقلال.. وغير ذلك هو السقوط إلى الأبد. 

أما الشرط الحاسم للحفاظ على هذه الخافية وهذا الانحياز الشعبي العربي المطلق لفلسطين من المحيط إلى الخليج فهو: أن يكون الموقف الفلسطيني واضحا، حاسما موحدا وثابتا... هذا شرط إبتدائي ناظم لنزع أي شرعية عن أي خطوة أو صفقة أو اتفاقية أو مشروع أو نظام أو حكومة أو حزب أو زعيم أو فرد يتجرأ على المساس بفلسطين.

هذه الحقيقة تلقي على الشعب الفلسطيني وقياداته وقواه السياسية ونخبه الثقافية والاجتماعية مسؤوليات هائلة... مسؤوليات كبرى تليق بفلسطين... بما يفرض على الجميع وبدون استثناء تخطي وتجاوز وكنس كل ما من شأنه أن يسئ لفلسطين.. كل ما من شأنه أن يخلخل أو يخذل الوجدان العربي تجاه فلسطين. ... فبما أن الأقدار والتاريخ والجغرافيا وضعت راية فلسطين في أيديهم... فهذا يعني أنهم مسؤولون أمام التاريخ... وليس أمامهم من خيار سوى ملازمة سارية راية فلسطين.. راية العرب الجامعة حتى في أكثر لحظات التاريخ رداءة. 

إنها فلسطين معادل كرامة العرب وبقاء الأمل ينبض كأبعد نجم في السماء... ذلك لأن:
"الحسامُ واليراعُ لا الكلامُ والنزاعُ
رمزنا... رمزنا
مجدُنــــــا وعهدُنــــــــا
وواجبٌ إلى الوفا يهزُّنا 
عِزُّنا... عِزُّنا
غايةٌ تُشرف ورايةٌ تُرفرفُ
يا هَنَاك في عُلاك 
قاهراً عِداك
مَوطني... موطني"