التجمع الديمقراطي الفلسطيني " إزهار بدون ثمر"

حجم الخط

ليست مشاركة الاتحاد الديمقراطي الفلسطيني فدا وحزب الشعب، في الحكومة الأخيرة هي العامل الأساسي في تعثر تجربة بناء التجمع الديمقراطي الفلسطيني ، على أن ذلك كان مؤشرًا على جدية القوى المشاركة في هذا التجمع بحمل التجربة إلى النجاح، أو التأثير في العمل السياسي الفلسطيني، إنما يكمن الخلل في هذه التجربة التي قارب أصحابها أن يهيلوا التراب عليها، في كونها جاءت من نخب فكرت أنها لا زالت قادرة على تحشيد جمهور حولها، في حين أظهرت كل نشاطاته تعثرًا وتقصيرًا في ذلك. فقد افتقد التجمع إلى الروافع الأساسية لتأثيره السياسي، حيث لم يعد الجمهور يأبه للعمل المهرجاني ولا للخطابات، أو ترديد شعارات باتت مستهلكة، بل إنه مستعد لامتحان العمل الميداني المباشر، وهو ما لم يدركه مشكلوا التجمع سواء كان أحزابًا أو شخصيات، لم تستطع أن تقدم جديدًا للجمهور، لا في الخطاب، ولا في أدوات العمل، وبالتالي لا غرابة أن يكون مصيره كمصير التجارب الأخرى التي سبقته.

فقد خبرت الجماهير الفلسطينية تجارب لتوحيد القوى التي تعارض أصحاب القرار السياسي منذ جبهة الرفض، مرورًا بالقيادة المشتركة بين الجبهتين الشعبية والديمقراطية، إلى التحالف الديمقراطي، إلى جبهة الإنقاذ، إلى الفصائل العشر وغيرها من التجارب التي لم يكتب لها النجاح؛ سواء لحيث استمراريتها، أو لحيث منع انزلاق اليمين الفلسطيني نحو مزيد من التنازلات حتى وصلنا إلى كارثة أوسلو التي لم تلد سوى عفريت صفقة القرن.

رغم ذلك فمشروع اليمينين الديني والوطني العلماني ماضٍ في طريقه سواء على صعيد المجتمع، أم على صعيد السياسة، أحدهما يمضي نحو الهدنة طويلة الأمد للاحتفاظ ب غزة في جيبه، والآخر يحاول التهرب من صفقة القرن من خلال دهاليز دبلوماسية لن تؤدي إلا إلى تعديلات على هذه الصفقة، تسمح له بالنزول عن شجرة رفضها، والدخول هذه المرة ليس في مفاوضات إنما في عملية مساومة ومفاصلة على التراب الوطني والقضية الوطنية.

إذن كيف يمكن بناء قطب وطني ديمقراطي يفرض نفسه كضرورة وتؤيده قوى اجتماعية وشعبية دون محاورة القطاعات الشعبية؟ فهل إذا توافقت نخب تلعب في هامش السياسة الفلسطينية على بناء إطار يوحدها يعني بالضرورة أن تهرع الجماهير إليها؟

إن ذلك كمن يتوقع أن كل إزهار في الربيع لا بد أن يعقد ويؤتي ثمره في الصيف... هكذا... دون حراثة أو رعاية، ودون تجنب لتفسخ أغصان نتاج رياح الترغيب والترهيب، أو غير ذلك، فالتجمع كان إزهارًا للفكرة، لكنها لم تعقد.. فانطفأ نوارها مبكرًا، فما السبب؟

يعود الأمر إلى عدة أسباب: أهمها أن كل مكونات التجمع كانت تعيش أزمات داخلية وأزمات في التعامل مع الجماهير، وأخرى تنظيمية تتعلق بعلاقتها ببناها التنظيمية، وبالتالي كان التجمع تجمع أزمات، حاول بعض أعضائه حل أزمته الذاتية، دون أن يجد في التجمع حلًا لأزمته.

أما السبب الثاني فهو اعتماد كل المشاركين في التجمع على تمويل الصندوق القومي الذي لا يتعامل مع هذا التمويل كحق، وإنما يحكم سلوكه سياسة المنح والمنع، وهذا كان له دور كبير في تفلت بعض القوى المشاركة.

وهناك السبب الأهم، وهو أن هذا التجمع لم يخرج سوى من المركز، من عاصمة القرار، دون أي انتباه للمحافظات الأخرى ولتجمعات الشتات، ويبدو أن قيادته فكرت بأنه بمجرد التشكيل في المركز يمكن أن تتوافد إليها جموع المؤيدين من كل المحافظات، وهو ما يعني أن الجبل (الجماهير) يجب أن يأتي إلى محمد (قيادة التجمع)، لا أن يذهب محمد إلى الجبل.

هذا يعني أن غياب بنية هيكلية للتجمع مشكلة من القاعدة إلى القمة وبشكل ديمقراطي، قد جعله كريشة في مهب الريح، فهو أراد أن يؤكد حضوره في المجال السياسي، دون أن يلتفت إلى القضايا الاقتصادية الاجتماعية للجماهير، وهذه القضايا هي المدخل الأساس لإطار علني للنفوذ بين الجماهير والتأثير فيها.

لا أظن أن المبادرين إلى تشكيل التجمع قد حاولوا التمثل بمنظمة الشين فين، وهي الجناح السياسي العلني للجيش الجمهوري الإيرلندي والتي شكلت جبهة وطنية دخلت فيها للانتخابات البريطانية ولحكمها الذاتي الذي حصلت عليه، ولا لتجربة منظمات الباسك بعد حصولها على الحكم الذاتي، ولا لتجربة المؤتمر الوطني الإفريقي قبل وبعد انتهاء الابرتهايد، وهي تجارب يمكن الاستفادة منها كثيرًا.

إن استمرار تكرار التجربة بنفس الوسائل والأدوات لن يؤدي إلى نتيجة مختلفة، فيما لم يراع هذا التجمع دور الحركات الاجتماعية الشبابية الناشئة، ولذلك ظل التجمع عبارة عن منتدى لمتقاعدي الأحزاب والفصائل، منزوع الخصوبة والدسم، ولهذا ليس غريبًا أن يصبح التفلت منه لا يوحي بأي شعور بالذنب عندهم، فقد كانوا يعرفون أزمة التجمع نفسه، كما يعرفون أزمتهم.