حول الجوهر السياسي لغطرسة «إسرائيل»

حجم الخط

أن تمتد غارات «إسرائيل» لتشمل العراق، عدا سوريا ولبنان، فضلاً عن اعتداءاتها وجرائم حربها الموصوفة في الضفة والقدس وقطاع غزة و«مناطق 48»، واستباحاتها الشاملة لكل ما هو فلسطيني، يعني أن «إسرائيل» هذه إنما تعيد الصراع إلى أصله كصراع عربي «إسرائيلي». وهذا يعني، أيضاً، أن قادة الاحتلال إنما يعودون إلى تجريب غطرسة نظرية «الردع الشامل»، و«الجيش الذي لا يُقهر»، و«الذراع الطويلة» القادرة على الضرب في كل مكان، وفي كل وقت يشاؤون، فيما يعلمون قبل غيرهم، وأكثر من غيرهم، أن زمن هذه النظرية المتغطرسة، بل الأسطورية، قد ولى، في أدناه في العقدين الأخيرين، كي لا نقول منذ حرب عام 1973 التي وضعت حجر الزاوية لنهاية قدرة جيشهم على تحقيق انتصارات سريعة، حاسمة، مبهرة، واضحة لا لبس فيها، وهو الأمر الذي لم يحصل إلاّ مرة واحدة، أي في عدوان 1967. بل، وأكثر من ذلك، فقد بات جنود وضباط سلاحهم البري، تحديداً، غير مستعدين للذهاب إلى الحرب، فضلاً عن أن جبهتهم الداخلية، أو «بطنهم الرخوة» كما يسمونها، لم تعد بمنأى عن نتائج حروبهم، فيما «إسرائيل» غير جاهزة لتحمل ولو الحد الأدنى من خسائرها البشرية والمادية، وكأن «الإسرائيليين» بذلك يسألون قادتهم: «متى تنتهي وردية حراستنا لما سرقنا»؟ أما إجابة نتنياهو، وهو أكثر هؤلاء القادة غطرسة وعنجهية، القائلة: «ستعيشون على حد السيف إلى الأبد»، فغير مقنعة لهم، ومجرد سردية خرافية، لا تاريخية، إيديولوجية، بمعنى إحلال الفكرة محل الواقع، كأنها هو.
وهذا يعني، أيضاً، أن هؤلاء القادة إنما يؤكدون للقاصي والداني، أنهم لم يكونوا يوماً مستعدين لدفع ثمن التوصل إلى تسوية سياسية متوازنة، ولا نقول عادلة، للصراع، وجوهره القضية الفلسطينية . دع عنك أن ما تقدم من أوجه غطرسة قادة الاحتلال تنطوي، على احتمال جر المنطقة إلى حرب شاملة مُدمرة متعددة الأطراف سواء بقرار أو بالتدحرج وخروج الأمور عن السيطرة. قد يحصر البعض تفسير هذه الغطرسة في الدوافع الانتخابية لنتنياهو، الذي يخوض معركة انتخابية فاصلة، من شأن خسارته لها أن تنهي مستقبله السياسي، وأن تدخله، ربما، إلى السجن، كمتهم ب «الفساد»، و«الرشوة»، و«خيانة الأمانة». هذا تفسير منطقي، إنما بالمعنى النسبي، وفي حدود المعتاد والمعهود من إقدام قادة الاحتلال على ممارسة العدوان في إطار تنافسهم الانتخابي، لكنه، (التفسير)، لا يصلح للقبض على الأساسي، والجوهري، والبعيد، من دوافع هذه الغطرسة. لذلك، فلنقل:
«الحرب امتداد، واللغة العنيفة، للسياسة». وحروب «إسرائيل» العدوانية المُبيتة والمستمرة، وما أكثرها، هي من مقتضيات إنشائها، (بالحديد والنار والتطهير العرقي المُخطط)، عام 1948، على 78% من أرض فلسطين، وعلى حساب وجود شعبها وحقوقه الوطنية والتاريخية، فضلاً عن سيطرتها، في عدوان 1967، على ما تبقى من أرض فلسطين، وعلى أراضي دول عربية مجاورة. وبكلمات إنها حروب تحركها وتقتضيها سياسة استعمارية استيطانية توسعية إلغائية إحلالية ثابتة هدفها النهائي محاولة تكريس وجود «إسرائيل» اليهودية، بل، وانتزاع الاعتراف بها على كامل أرض فلسطين بين البحر والنهر، وكامل ما تبقى بقبضتها من أراضي «دول الطوق».
هذا هو الجوهر السياسي، (بما اقتضاه سابقاً، وما يقتضيه الآن، ومستقبلاً من حروب)، لما عبر عنه، في ثلاثينات القرن الماضي، ثاني رؤساء الحركة الصهيونية، حاييم وايزمان، بالقول: «نريد تحويل فلسطين إلى دولة يهودية كما هي بريطانيا بريطانيّة وهولندا هولنديّة». وهو الجوهر السياسي ذاته الذي حمله «قانون أساس القومية ل«إسرائيل» اليهودية» غير محددة الحدود، كقانون يعمل على تحقيقه، الآن، قادة «إسرائيل»، بزعامة نتنياهو، لا بل وتعمل الولايات المتحدة، رسمياً وعملياً، وفي السرّ والعلن، على مساندتهم في تمريره، والضغط على العالم لقبوله والاعتراف به، عبر ما يُسمى، زوراً،«خطة ترامب لإحلال السلام في الشرق الأوسط».
إن العمل لتحقيق هذا الهدف لا يخالف كل قرارات الشرعية الدولية المتعلقة بالصراع، فحسب، بل ويخالف، أيضاً، حتى ما ورد في «الكتاب الأبيض» الذي صدر في مايو/‏ أيار 1939، بالقول: «إن بريطانيا لا تفهم من عبارة إنشاء وطن قومي يهودي، التي جاءت في وعد بلفور ونظام الانتداب، تحويل فلسطين إلى دولة يهودية»، آخذين بالحسبان أن هذا النص، إنما جاء في إطار الاحتواء السياسي لمفاعيل الثورة التي عمت فلسطين، واستهدفت قوات الاستعمار البريطاني، طوال ثلاث سنوات، (1936- 1939)، والتي عجز العمل العسكري والأمني عن وأدها في مهدها، وإخماد لهيبها الذي أطلق شرارته الأولى، داخل أحراش قرية (يعبد) في قضاء (جنين)، الشهيد الشيخ عز الدين القسام، في خريف عام 1935.