السلطة الفلسطينية وتجريب المجرَّب

حجم الخط

تهرب قيادة المنظمة والسلطة من الحوار الوطني الشامل، ومن تنفيذ قرارات المجلسين الوطني والمركزي، إنما يعني التهرب من السبيل الوحيد لاستعادة خيار الوحدة والمقاومة.

بعد التلويح ب«وقف العمل بالاتفاقات الموقعة مع الاحتلال»، وبلا مقدمات، ودون تشاور مع فصائل المعارضة، أطلقت قيادة السلطة الفلسطينية دعوة لإجراء انتخابات تشريعية في الضفة و القدس وقطاع غزة، متجاهلة أن الرهان على مسار «مدريد أوسلو» هو ما أفضى إلى تفكيك سبيكة الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، وإلى إدخالها ومعها شعبها وقضيته الوطنية ونضاله الدفاعي التحرري في أزمة بنيوية متعددة الأبعاد؛ بل في مأزق مُستعصٍ لا فكاك منه إلا بإنهاء هذا المسار والقطيعة معه كنهج سياسي وأمني وطرائق عمل وأدوات وأداء ونمط تفكير. كيف لا وهي الرهانات التي انتهت إلى «خطة ترامب» المتماهية حدّ التطابق مع سياسة حكومات الاحتلال التي ما انفكت تعمل بدأب ومثابرة على شطب القضية الفلسطينية عبر مصادرة الأرض واستيطانها وتهويدها وتقطيع أوصالها، وتمزيق وحدة الشعب وتحويله إلى شظايا تفتقد لمقومات الكيان السياسي.

مقصود الإشارة السريعة أعلاه القول: إن مواصلة قيادة المنظمة والسلطة الفلسطينية لنهج التفرد وسياسة تقطيع الوقت المتمثلة في التلويح «بوقف العمل بالاتفاقات»، والدعوة إلى إجراء انتخابات تشريعية، ومناشدة المجتمع الدولي لإنقاذ «حل الدولتين»، لا تشكل مدخلاً صحيحاً للفكاك من المأزق القائم، اتصالاً بثلاث حقائق، أولاها أن صيغة الجبهة الوطنية، وليس صيغة «سلطة ومعارضة»، هي الصيغة المطلوبة لشعب ما زال في مرحلة تحرر وطني وديمقراطي لم تُنجز أدنى مهامها بعد، وثانيتها أن الصراع مع الاحتلال كان ولا يزال صراع وجود لا صراع حدود، وأن السيطرة على الأرض كانت ولا تزال جوهر هذا الصراع، وأن تحقيق الأهداف الوطنية بما فيها حتى المباشر منها (دولة على حدود 67)، هو مهمة كفاحية يتحمل أعباءها الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.

أما دور الفصائل فيتمثل في تنظيم وتأطير وتعبئة وتحشيد وتوحيد جهود وإمكانات هذا الشعب، لا شق صفوفه وإحباطه، وثالثتها أنه لا شراسة الهجوم «الإسرائيلي» الأمريكي، ولا اختلال ميزان القوى لصالح الاحتلال، ولا توازن ميزان القوى الوطني، يتيح لأي فصيل أو قائد مهما علا شأنه، التصرف وفق قاعدة «قولوا ما تشاءون وأنا أفعل ما أشاء».

لذلك، وعليه، فإن تهرب قيادة المنظمة والسلطة من الحوار الوطني الشامل ومن تنفيذ قرارات المجلسين الوطني والمركزي المتعلقة بإنهاء «أوسلو» والتحلل من التزاماته، إنما يعني التهرب من السبيل الوحيد لاستعادة خيار الوحدة والمقاومة، ولتشكيل قيادة وطنية واحدة وصياغة برنامج سياسي وطني يتبنّاه الكل الوطني، ويلتزم به، قولاً وفعلاً، سواء لناحية إدارة الصراع مع الاحتلال والتصدي ل«خطة ترامب»، أو لناحية معالجة الخلافات والاختلافات والانقسامات والإشكالات الداخلية، على ما بين الأمرين من تداخل لا مجال لإنكاره.

تلك هي الحقائق التي ينبغي الاعتراف بها، وبناء استراتيجية وطنية جديدة للمواجهة على أساسها، أما دون ذلك فلن يفضي إلا إلى تعميق المأزق واستمرار «تجريب المجرّب» الفاشل والمدمِّر، ومواصلة السير في المداخل الخاطئة التي لا يكون التقدم فيها إلا تراجعاً أو مراوحة في المكان في أحسن الأحوال.

لكن على الرغم من كل ذلك، تجاهلت قيادة السلطة المبادرة التي قدمتها ثمانية فصائل لتحقيق المصالحة، وردت عليها ضمناً، بالدعوة آنفة الذكر إلى إجراء انتحابات تشريعية، فيما يعلم الجميع وفي مقدمتهم قيادة السلطة، أن الاحتلال لن يسمح بإجراء هذه الانتخابات في القدس، خصوصاً بعد الاعتراف الأمريكي بها عاصمة ل«إسرائيل» ونقل السفارة إليها، وأن حركة حماس الحاكمة في القطاع لن تسمح بإجراء انتخابات لا تشمل رئاسة السلطة والمجلس الوطني للمنظمة، وأن فصائل أساسية في المنظمة (عدا حركة «الجهاد الإسلامي») لن تشارك في انتخابات هدفها تجديد الشرعية للسلطة الفلسطينية، كسلطة وظيفية محدودة ومقيدة؛ بل وحلت محل منظمة التحرير ككيان معنوي وممثل شرعي للشعب الفلسطيني وقائد لنضالاته في الوطن والشتات. دع عنك أن إعادة بناء الأخيرة وتفعيل مؤسساتها وتوحيدها لتشمل الكل الوطني، هو المدخل الصحيح للفكاك من المأزق الوطني، ولإطلاق العنان للشعب الفلسطيني آخذين في الحسبان أن روحه الكفاحية المعمَّدة بالدم لم تنضب، وأن هباته وانتفاضاته الشعبية ومقاومته متعددة الأشكال لم تتوقف، وأن كل هذا الفعل الميداني ظل منذ نشوء السلطة الفلسطينية عام 1994 مسقوفاً بخيار «أوسلو» السياسي العقيم، ورهاناته الفاشلة والتزاماته الأمنية المجحفة.