تركيا واحدة رغم ضجيج أردوغان

حجم الخط

لم تنس تركيا وقوف العرب مع بريطانيا، إحدى دول الحلفاء الغربيين في هزيمتها في معارك الحرب العالمية الأولى التي أسفرت عن انهيار إمبراطوريتها العثمانية التي مارست أبشع أشكال الاضطهاد القومي والعرقي ضد العرب والقوميات الأخرى، في إطار دولة الخلافة الإسلامية التي استمرت زهاء أربعة قرون.

بتفكيك دولة الخلافة العثمانية، ووقوع ولاياتها العربية تحت حكم الاستعمار الغربي، خاصة البريطاني والفرنسي، استولت تركيا العلمانية على لواء الاسكندرونة السوري بموافقة فرنسية، وانتهى الأمر في ذلك الوقت، بأن أصبح هذا الإقليم بسكانه العرب الذين يغلب على أكثرهم الانتماء للطائفة العلوية، جزءًا من الدولة القومية التركية، حيث لم يطالب أحد في المجتمع الدولي بإعادته إلى الوطن الأم غير الدولة السورية نفسها.      

الشيء بالشيء يذكر، تمضي الأعوام وفي محاولة لاستغلال الوضع السوري الذي يشهد منذ ما يقارب خمسة أعوام صراعًا دمويًا مسلحًا على السلطة السياسية بين النظام السياسي وقوى المعارضة على اختلاف انتماءاتها السياسية والفكرية، والتي يشكل الدور التركي السياسي والعسكري واحدًا من الأدوار الفاعلة في الأزمة السورية، بجانب الدورين الإيراني والروسي. تركيا التي يحكمها حزب إسلامي، له التفافه الواسع؛ لكونه يؤكد من شعاراته السياسية والثقافية المعلنة تمسكه بالأصالة، ومعادته للاغتراب الحضاري..الخ.

تُقدم تركيا في هذه الأيام على شن حملة عسكرية بغرض احتلال أراضٍ أخرى في شمال سوريا، تضاف إلى لواء الاسكندرونة المغتصب، وذلك بحجة الدفاع عن المصالح الأمنية التركية، خشية من قيام الأكراد في المنطقة بإعلان حكم ذاتي ضمن الدولة السورية، على غرار إقليم كردستان العراق، وذلك توافقًا مع سعي حزب العمال الكردي الذي يناضل هو الآخر في جنوب وشرق البلاد منذ أعوام طويلة لانفصال أكراد تركيا عن أنقرة.

إن تركيا في عدوانها الحالي على سوريا المجاورة إنما تعبر في ذلك عن مواقفها العدائية تجاه العرب، ففي أوائل الخمسينيات من القرن الماضي أقدمت على الاعتراف بالكيان الصهيوني الذي أقيم في قلب الوطن العربي، ضمن المشروع الاستعماري؛ للحفاظ على المصالح الحيوية الغربية، وهذا الأمر استمر مع فوز حزب العدالة والتنمية، حيث كانت بذلك أول دولة إسلامية تقف مع المشروع الصهيوني العنصري، وتحافظ على العلاقة السياسية مع دولته. وفي إطار سياسة الأحلاف الاستعمارية التي أسستها بريطانيا في الشرق الأوسط، للحفاظ على أنظمة الرجعية العربية الاستبدادية من الانهيار؛ بفعل صعود تيار الانتماء للقومية العربية التحرري الذي عملت ثورة 23 يوليو المجيدة في مصر على إنعاش فكره السياسي.. في إطار هذه السياسة الاستعمارية انضمت تركيا إلى حلف بغداد الذي تفكك بعد سقوط النظام الملكي الهاشمي، بفعل ثورة تموز العراقية في عام 1958، وكان من مهام الحلف الرئيسية الوقوف ضد حركات التحرر الوطنية. هذا إضافة إلى عضويتها الحالية في حلف الناتو الاستعماري الذي تقوده واشنطن بغرض الهيمنة الكونية للنظام الرأسمالي الامبريالي العالمي.

تركيا وفي إطار الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها في الوقت الراهن، كان لها أثرها الكبير وراء موقف الشعب التركي من القضايا السياسية الدولية، وقد شكلت ظاهرة الهجرة العربية إلى تركيا بسبب الأزمة السورية، والوضع السياسي في العراق، والأحوال المعيشية الصعبة في قطاع غزة، وبالكثافة التي تتميز بها هذه الهجرة، شكلت تجديدًا لشعور الكراهية السياسية، وعدم الارتياح لدى كثير من الأتراك، حيث ما زال موقف العرب من دولة الخلافة العثمانية، ماثلًا في الذاكرة الجماعية التركية؛ وهكذا فإن تركيا العثمانية، وتركيا العلمانية، وتركيا أردوغان، هي تركيا واحدة في علاقتها مع العرب؛ عداء قومي تاريخي وكراهية سياسية، موغلة في القدم، يؤججها الصراع القومي بين القومية الطورانيه والقومية العربية، وطموح أنقرة الدائم للهيمنة على العالم العربي والإسلامي.