«إسرائيل».. لا اختلاف على الأساسيات

حجم الخط

كثيرون من السياسيين راهنوا على أن بيني جانتس وبنيامين نتنياهو لن يتفقا على تشكيل حكومة بعد الانتخابات التشريعية الثالثة في أقل من عام، وذلك لاختلافات جوهرية بينهما منها: رؤية تكتل «أزرق أبيض» بأنه يمكن التحالف مع الشيطان لهدف وحيد هو منع بنيامين نتنياهو من تشكيل الحكومة الجديدة وتهيئته للمحاكمة وإدخاله السجن. وفي النهاية وافق زعيم «أزرق أبيض» المتفكك بعد تخلي جانتس عن شروطه على تشكيل حكومة مع نتنياهو، وهو ليس ضد مبدأ ضم الأراضي الفلسطينية، كما صرح أكثر من مرة. أخيراً اتفق الطرفان على أن تكون هذه الحكومة «حكومة طوارئ» مهمتها الأولى معالجة أزمة «وباء كورونا» والأزمة الاقتصادية الناشئة عنها، ثم إن الأغلبية الساحقة من بنود الاتفاقية تتركز على تبادل منصب رئيس الوزراء بعد أن يتسلمه نتنياهو مدة عام ونصف العام، كما هو حال مسألة تركيب الحكومة ولجان الكنيست، وأيضاً منصب رئيس هذه الهيئة التشريعية.

مع ذلك، يمكن القول إن الشأن السياسي الوحيد الذي ورد في الاتفاقية، هو فرض ما يسمى السيادة «الإسرائيلية» على المستوطنات ومناطق شاسعة في الضفة، وصولاً إلى إمكانية ضم أراضي الأخيرة نهائياً. وسيحصل الضم بحسب تفاهم مع الولايات المتحدة على الأراضي المتفق عليها مسبقاً، ومن ثم يجري طرح الموضوع على الحكومة للموافقة، وبعدها يُطرح على الكنيست بعد التشاور مع جانتس.

وقد صرح وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو مؤخراً «بأن ل«إسرائيل» الحق وحرية التصرف في أراضيها كما تشاء». وكترجمة لما يختزنه الطرفان من خلفيات يمينية متطرفة مشتركة، اتفقا على أن رئيس الحكومة يستطيع بعد إجراء الأبحاث والمشاورات بينه وبين رئيس الحكومة البديل، استحضار أي قرار بخصوص فرض السيادة مع التوافق مع الولايات المتحدة ابتداء من يوليو/تموز القادم، للمصادقة عليه في الحكومة أو الكنيست. من جهته يرى يائير لبيد، الذي كان حليفاً لجانتس في «أزرق أبيض»، أن جانتس أوقع نفسه في خديعة نتنياهو الذي لن يمكنه من أن يكون رئيساً للحكومة بعد انقضاء نصف المدة حسب الاتفاق.

ونص الاتفاق على أن رئيس الحكومة (نتنياهو)، ورئيس الحكومة البديل (جانتس) يعملان معاً بالتنسيق «من أجل الدفع باتفاقيات سلام مع كل جيراننا، والدفع نحو تعاون إقليمي في مجالات اقتصادية متنوعة، وفي مجال كورونا». وحرص الثنائي المتقاسم لمنصب رئاسة الحكومة، على تأكيد أن يعملا في ما يتعلق ب«صفقة القرن» بالتوافق الكامل مع الولايات المتحدة الأمريكية، بما في ذلك مسألة الخرائط، أمام الأمريكيين والمجتمع الدولي بشأن هذا الموضوع، وكل ذلك في إطار السعي للحفاظ على المصالح الأمنية والاستراتيجية لدولة «إسرائيل»، بما في ذلك الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، والحفاظ على اتفاقيات «السلام القائمة» والسعي إلى اتفاقيات «سلام مستقبلية»، وهو ما يشير إلى مجموعة عناوين عامة لا تخرج عن دائرة الإجماع.

فالأطراف جميعها بمن فيهم أولئك الذين سيكونون في المعارضة، لا يفرطون في الاستقرار الإقليمي، ولا في اتفاقيات «السلام» المبرمة مع دولتين عربيتين ومع منظمة التحرير، التي تمثل بالنسبة لتل أبيب ذخراً استراتيجياً، خاصة إذا ما استكملت ب«صفقة القرن»، وضم أراض شاسعة من الضفة بعد «رسمنة» أن القدس الموحدة ستبقى العاصمة الأبدية الخالدة للدولة الصهيونية.

يجسد الاتفاق حقيقة أن كتلة «أزرق أبيض» المنفرطة التي يترأسها جانتس لا تحمل أي توجه أيديولوجي مختلف عن الليكود، والأطراف اليمينية التي تؤمن بأرض «إسرائيل» الكاملة، كان مطلبها منذ البداية حكومة وحدة، لكن كان بشرط أن تكون من دون نتنياهو، ثم تم التراجع عن هذا الشرط. ويُبدد هذا المفهوم أي رهان لدى أنصار التسوية على إمكانية حدوث تغيير في الأداء «الإسرائيلي» على مستوى الاستيطان والضم، وإقامة دولة فلسطينية. كما يؤكد أن الطريق الوحيد لكبح جماح العدوان الصهيوني المتواصل على الشعب الفلسطيني، ليس إلا طريق المقاومة بكل أشكالها والانتفاضة.