لكلّ هذا.. يُريد محمود عباس تقويض الجبهة الشعبية

حجم الخط

العلاقة بين الرئيس عباس والجبهة الشعبية لم تكن تاريخيًا علاقة جيدة، ويرجع ذلك إلى دور أبو مازن التاريخي في إطار الحركة الوطنية الفلسطينية؛ ومن الجدير بالذكر أن الخلاف الذي حصل بين الراحل أبو عمار وأبو مازن، كانت الجبهة تنحاز لمواقف ياسر عرفات ، بالرغم من خلافها معه؛ إلا إنها كانت تدرك أن هنالك إمكانية للتواصل وايجاد لغة مشتركة معه.

دائمَا ما كانت المساومات الداخلية في الساحة الفلسطينية تصل إلى أن تقوم الجبهة بتسجيل اعتراضها على القرارات السياسية والنقاط المختلف عليها في محاضر الاجتماعات القيادية أو في جلسات المجلس الوطني الفلسطيني، وتمارس الجبهة الشعبية مواقفها من على أرضية الخلاف في إطار الوحدة ما دامت الوحدة قائمة على أسس وطنية تحررية. ومرت على الجبهة الشعبية مراحل حرجة، كانت من الممكن أن تطال وحدتها، ولكنها أعطت فرصة لبعض الاتجاهات التي كانت تراهن على  إمكانية الوصول إلى حل وطني مرحلي يحافظ على الثورة ويؤمن قاعدة ارتكاز وطنية على جزء من الأرض الفلسطينية، وبالرغم من ذلك عملت بإخلاص وبأخلاقية وطنية عالية؛ من أجل الحفاظ على الأداة الوطنية الفلسطينية ووحدتها في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، وتغليب الصراع مع الاحتلال الاحلالي الاستعماري على كل الخلافات والتعارضات، وهي تأمل أن يدرك الأخوة في فتح أن جوهر الموقف الإسرائيلي هو إنهاء القضية الوطنية للشعب الفلسطيني والتعامل مع الشعب الفلسطيني كمشكلة سكانية على الإقليم تحمل تبعات حلها، أي التوطين في دول الشتات، وهذا ما تحمله الخطة الأمريكية إن كانت جمهورية أو ديمقراطية.

الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين هي التنظيم الذي أكد وفي مفاصل تاريخية (المجلس الوطني في الجزائر الذي سجلت الجبهة رؤيتها مكتوبة حول موقفها من الدولة الفلسطينية المعلن عنها) على حماية منظمة التحرير الفلسطينية، ووقفت موقفًا حاسمًا من أجل الحفاظ على وحدة العمل الوطني وتعاطت مع الخلافات السياسية على قاعدة الخلاف في إطار الوحدة، وكان يدرك جورج حبش أنه لا يمكن التضحية في وحدة العمل الوطني الفلسطيني؛ من أجل خلاف حول رؤية الحل السياسي، كما كان يسمية ياسر عرفات، في حين أن جورج حبش كان يسميه مساومة غير مشروعة (استسلام)، وفي إطار (حواري) معه كان يعطي موقفًا واضحًا من أن من سيعيق الحل هو الإسرائيلي، الذي لن يقبل أن يكون هنالك كيانية فلسطينية تحت أي مسمى؛ كونها تتناقض تاريخيًا مع جوهر وجوده.

عند استلام أبو مازن زمام فتح والسلطة والمنظمة، كان واضحًا أنه سيتعاطى بانتقامية مع كل المواقف الوطنية التي تحالفت مع ياسر عرفات في إطار خلافه مع أبو مازن؛ عندما أطلق عليه  تسمية (كرازي فلسطين). لقد أدرك ياسر عرفات أن الخطر الداهم عليه هو من داخل البيت الفتحاوي، وليس من البيت الوطني الفلسطيني، والخلاف الذي نشب بينه وبين وأبو مازن، كان على خلفية أن عرفات يملك كل السلطات، وخاصة المالية، وكان تحريض أبو مازن أمام الإسرائليين والأوروبيين والأمريكيين يقوم على أساس أن القرار المالي يجب أن يخرج من يد عرفات الذي يستخدمه بازدواجية، ويدعم بعض الفصائل التي تحارب أوسلو، وفي إطار ذلك كان أن قام محمود عباس بالجلوس في البيت، وبدأت تنهال الضغوط على الرئيس عرفات من واشنطن وتل أبيب والاتحاد الأوروبي والرياض والقاهرة؛ من أجل حل التعارض بينه وبين أبو مازن، وجاءت حادثة سفينة السلاح واعتقال فؤاد الشوبكي الذراع المالي الأيمن لياسر عرفات، وكانت سببًا رئيسيًا لاجتياح المقاطعة ومحاصرة عرفات، وفرصة لمجموعة محمود عباس للانقضاض على ياسر عرفات وسلطاته، وحصلت المساومة بأن يأتى بوزير مالية من خارج الحاضنة الوطنية الفلسطينية، وقدمت واشنطن سلام فياض، الذي كان يعمل في البنك الدولي، والذي أصبح رئيسًا للوزراء لاحقًا.

بدأت مرحلة تفريغ فتح من مناضليها تحت عناوين التجديد وقانون التقاعد الذي أخرج قسمًا كبيرًا من كوادر فتح الذين عايشوا تجربة الثورة الفلسطينية، وكانت إسرائيل تعمل على تمهيد الطريق لتنفيذ ما يلائمها من اتفاق أوسلو؛ من خلال اعتقال واغتيال القادة الميدانيين في فتح والفصائل الفلسطينية، في إطار عملية تفريغ واحلال لعناصر موالية، تحمل عقيدة قتالية قائمة على أسس اتفاق أوسلو، الذي غير أسس الصراع التناحري إلى تعارض قائم على تنفيذ بنود اتفاق أوسلو وأخواته من اتفاقات سياسية واقتصادية مكملة له.

بعد أن استلم محمود عباس ثلاثية السلطة، كان يرى أن الجبهة الشعبية تشكل له ارهاقًا وإشكالاً في علاقاته مع الأمريكيين والأوروبيين وتل أبيب التي تتهمه بعدم محاربة المنظمات الإرهابية، وكانت تشير إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي هي عضو في منظمة التحرير الفلسطينية، وتشير لها إسرئيل وواشنطن على إنها خطرًا من نوع خاص؛ يحمل مصالح الشعب الفلسطيني بكل أطيافة وتنوعه، وبالرغم من ظروفها الصعبة؛ إلا إنها تشكل خطرًا معرفيًا مستقبليًا على اسرائيل ووجودها؛ من حيث الخلفية المعرفية التي تكشف الطابع الاستعماري الاحلالي لعدوانيتها، بحيث تريد إسرائيل إنهاء كل من يحمله، كونه يكشف الكذبة التي تعمل من أجل ترويجها؛ لإعادة كتابة التاريخ السياسي والثقافي لفلسطين والمنطقة.

الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وبالرغم من كل ما يحيطها من ظروف وضغوط، لا يمكن لأحد أن يقوض جوهر موقفها السياسي الذي يعبر عن الواقع الموضوعي لقطبي الصراع في فلسطين، بين المشروع الوطني التحرري، وبين مشروع الاستيطان الاحلالي، الذي يحمل بعدًا عدوانيًا ورجعيًا وعنصريًا، تؤكده ممارساته اليومية؛ من قتل وطرد واعتقال واستيلاء على الممتلكات بالقوة، هذا الاحتلال الذي يعبر عن الشكل الأبرز لعدوانية الفكرة الرأسمالية في أبشع تجلياتها.

الجيهة الشعبية لتحرير فلسطين أصبحت هي التنظيم الأبرز الذي يحمل الفكرة الإنسانية التحررية التي تناقض فكرة العدوان والعنصرية التي تحملها الفكرة الصهيونية التي تتخذ من الفكرة الدينية أساسًا لممارساتها العدوانية، وبذلك تكون متوافقة مع فكرة داعش التي تتخذ من الفكرة الدينية معيارًا للقتل والتدمير.

الجبهة الشعبية بفكرها الوطني التحرري التقدمي الإنساني الذي تعتبره واشنطن والاتحاد الاوروبي وتل ابيب،  فكرًا يقوض أسس الفكرة الرأسمالية الصهيونية، خاصة إنها تنظيم فلسطيني يعبر عن المصالح التاريخية الوطنية والحقوقية والسياسية والإنسانية للشعب الفلسطيني، وبذات الوقت فإن السلطة أصبحت في عهد محمود عباس تشكل التعبير الأبرز عن كمبرادورية السلطة التي معيار بقائها هو محاربة كل ما يتعارض مع كيانية الاحتلال الاستيطاني الاحلالي لفلسطين، ولهذا فإن قرارات محمود عباس إن كانت سياسية أو مالية أو إدارية بحق الجبهة الشعبية، هي قرارات بالجوهر إسرائيلية أمريكية أوروبية؛ تستند لقوائم الإرهاب لديهم،  وفي هذا الإطار يفهم قرار قطع المستحقات المالية للجبهة. فهذا قرار إسرائيلي أمريكي أوروبي بامتياز؛ هؤلاء يقولون لمحمود عباس ومندوبيه ووفوده أن استمرار إعطاء الجبهة مخصصاتها المالية من الصندوق القومي الفلسطيني يتناقض مع تعهدات السلطة وتعهداته الشخصية بوقف تمويل الإرهاب، ويتناقض مع شروط تمويل السلطة الفلسطينية أوروبيًا وأمريكيًا وإسرائيليًا.

ازدواجية الحملة العدائية التي تقوم بها كل من السلطة؛ عبر القرارات المالية، وإسرائيل؛ عبر القرارات العسكرية، من ملاحقة واعتقال، تندرج تحت عنوان تهيئة الظروف، من أجل تمرير صفقة القرن عبر الجرعات.
التساؤل الأهم للمدافعين عن قرارات عباس: أين هم من تنفيذ قرارات المجالس المركزية؟ أين هم من تعطيل الحياة الوطنية داخل منظمة التحرير الفلسطينية؟ أين هم من مصالح الشعب الفلسطيني في الشتات؟ أين مواقف السلطة من عنوان الأسرى وتحريرهم؟ أين مواقفها من الاعتداءات اليومية على الإنسان والأرض؟ 

إن أهم بنود صفقة القرن يندرج تحت عنوان تنظيف "بيت السلطة الفلسطينية" من القوى والأفكار التي ما زالت تناضل؛ من اجل التحرر الوطني، هذه الأفكار التي لا يمكن قتلها او إنهائها، لكونها تعكس الواقع المادي الذي يعيشه الفلسطيني في كل يوم في الشتات وفي فلسطين.

الجبهة الشعبية عليها أن تدرك أن المخاطر المستقبلية ستكون أشد، وتتطلب تغييرًا في الأداء، وإعادة تموضع سياسي وتنظيمي ومالي، فلا يمكن أن تكون بعد كل هذه السنين مرتهنة إلى ما يأتيها من أموال المنظمة، وعليها أن تعمل لتغيير العنوان النضالي للثورة الفلسطينية، وتعيد وضع الهرم على قاعدته، هذا الهرم الذي قلب منذ أن دخل المال النفطي على الساحة الفلسطينية، وأصبح عنوان (الثورة)، هي التي تمول الفصائل؛ عندها خضعت الثورة الفلسطينية لمعادلة جديدة قائمة على أساس المصالح المادية، وتسربت إلى صفوفها الانتهازية السياسية وخضعت لمعادلة الابتزاز المالي، في حين أن الثورة عليها أن تمول من الفصائل التي تمثل مصالح الجماهير الفلسطينية. إن تغيير نمطية الأداء اليومي ضرورة لمواجهة محاولات تقويض فكرة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كفكرة وطنية تحررية  تقدمية.

إن وهم محمود عباس و(حاضنته) على سقوط ترامب، ومراهنته على بايدن أسقطه اليوم تصريحه حول القدس وسفارة أمريكا بها، حيث أكد إذا ما نجح في الرئاسة، فلن يطرأ أي تغيير على موقع السفارة في الفدس وستمرر صفقة القرن، ولكن بعناوين ديمقراطية. "رؤية السلام" الترامبية سيتعاطى معها الديمقراطيون على إنها الرؤية الإسرائيلية للحل النهائي، وهي القاعدة للحوار كما صرح كوشنير في أكثر من مناسبة.

خلاف الجبهة الشعبية مع محمود عباس سياسي بامتياز، وليس شخصي ومحاولات إدراجه على إنه خلاف مع فتح أو المنظمة ودورها، هو بالجوهر تضليل، حيث أن البعض يريد أن يدفع الجبهة للخروج من المنظمة، ويكون قد ارتاح من الضغوط الإسرائيلية والأوروبية والأمريكية، ولكن على الجبهة إدراك هذا الفخ الذي ينصب لها لإظهارها على إنها تقوض منظمة التحرير الفلسطينية، وتجربة سوريا في الجامعة العربية، ممكن أن تتكرر مع الجبهة الشعبية في منظمة التحرير الفلسطينية. إن رفع درجة الصراع في إطار الوحدة مهمة ملحة ومعقدة، وعلى الجبهة أن تسقط أوراق الضغط من يد محمود عباس؛ عبر تغيير طرق ووسائل عملها، وإعادة حشد طاقاتها وطاقات الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، وتواصل طرح المخاطر الجدية التي يشكلها السلوك السياسي للسلطة، الذي يقوض المصالح الوطنية للشعب الفلسطيني.

 منذ أن أسست المنظمة كانت تحمل تعارضها في رؤية تحقيق أهداف التحرر الوطني بين اتجاهين رئيسيين يعبران عن الاتجاه الوطني التحرري التقدمي، الذي يعكس المصالح الأوسع للشعب الفلسطيني بكل اتجاهاته الوطنية، واتجاه يرى تحقيق مصالح الفئة الكمبرادورية التي تعاظم دورها مع ازدياد دور المال السياسي النفطي، حتى تسللت لرأس الهرم السياسي الفلسطيني، هذه الفئة لا تعطي أية أهمية للحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني؛ بحكم تداخل مصالحها واستمرار بقائها المرتبط بحركة رأس المال ومؤسساته المالية والسياسية، ومعيار استمرار الدعم السياسي والمالي لهذه الفئة، إن كانت سياسية أو مالية، هو مدى تعاطيها الايجابي مع إسرائيل ومصالحها.