النكبة بين السياسة والتاريخ

حجم الخط

الحقوق الوطنية لا تسقط بالتقادم، والسياسة مهما كان جبروتها وبطشها لا تلغي حقائق التاريخ.

تمر هذه الأيام الذكرى الثانية والسبعون للنكبة الفلسطينية، التي تعود جذورها إلى الوعد الذي قدمته الحكومة البريطانية في 2 نوفمبر عام 1917، والذي عرف لاحقاً بوعد بلفور، بقيام وطن قومي لليهود على أرض فلسطين. وكان من نتائج هذا الوعد مضاعفة الهجرة اليهودية إلى فلسطين. وكلما ازدادت أعداد المهاجرين اليهود، تفاقمت الأزمة بين الفلسطينيين والمهاجرين الجدد، حتى تصاعد هذا التوتر إلى عنف وانفجارات في نهاية الثلاثينات.

وبمرور الوقت، بدأ المهاجرون اليهود إلى فلسطين في تثبيت أقدامهم، بحيازة مواقع اقتصادية مهمة. وحتى عام 1939، وعلى الرغم من محاولات الوكالات اليهودية للهجرة، فإن الأراضي الفلسطينية التي أصبحت تحت السيطرة اليهودية، لم تتجاوز ال 5%.

لم يكن التوازن في هذا الصراع لمصلحة الفلسطينيين، فقد افتقروا في مواجهتهم للصهاينة للتنظيم ووحدة العمل والقيادة المقتدرة، بما جعل تحقيق الهدف الفلسطيني في الاستقلال ومنع الهجرة اليهودية لفلسطين أمراً مستحيلاً. وكانت نتيجة ذلك أن كثيراً من الاحتجاجات والانتفاضات الفلسطينية ضد البريطانيين وحركة الهجرة اليهودية في نهاية الثلاثينات انتهت بنتائج مأساوية.

وكان الحكام العرب في أغلبيتهم آنذاك موظفين معينين من قبل سلطات الاحتلال البريطاني أو الفرنسي، ولم يكن بمقدورهم تقديم أي دعم مؤثر للمحاولات المبكرة لحركة التحرير الفلسطينية.

الخطوة الرئيسية باتجاه تنفيذ الأهداف الصهيونية، تحققت في نهاية الحرب العالمية الثانية. ففي عام 1947، طلبت بريطانيا من الأمم المتحدة معالجة الصراع بين اليهود والعرب في فلسطين. وفي 3 سبتمبر 1947، تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 181 الذي عرف بقرار التقسيم، والذي اقترح تقسيم فلسطين إلى ثلاثة أقسام: الشطران الأول والثاني يقسمان بالتساوي بين الفلسطينيين الذين كانوا يشكلون آنذاك 70% من التعداد الكلي للسكان، واليهود الذين لا يشكلون أكثر من 30% من سكان فلسطين. أما الشطر الثالث فيضم مدينة القدس، وتجري إدارته بنظام دولي.

رفض العرب، والفلسطينيون، هذا القرار، لأنه لم يأخذ بعين الاعتبار نسبة التعداد السكاني للشعب الفلسطيني. ولأن الفلسطينيين في أغلبيتهم اعتبروا المهاجرين الجدد في حكم الأجانب الذين لا يملكون الحق في هذه الأرض.

وفي 14 مايو 1948، أعلن اليهود من جانب واحد قيام دولة «إسرائيل». ورفضت الحكومات العربية الاعتراف بها. واندلعت الحرب بين العرب والصهاينة. وانتهت تلك الحرب بهزيمة للجيوش العربية، وكانت حقاً نكبة واجهها الفلسطينيون والعرب جميعاً، نتج عن تلك الحرب تشرد 775000 من الفلسطينيين للأقطار العربية المجاورة، وبقاء أقلية من الفلسطينيين تحت وطأة الاحتلال العسكري «الإسرائيلي» المباشر. وهكذا انتهى الفصل الأول في مأساة الشعب العربي الفلسطيني، لتتبعه فصول أخرى أكثر قسوة ومعاناة، ومرارة.

وعلى الرغم من أن نتائج نكبة 1948 كانت صادمة لكل العرب، إلا أن القراءة الموضوعية للخريطة السياسية وطبيعة العلاقات والتحالفات السائدة في المنطقة، تؤكد أنه لم يكن بمقدور الأنظمة العربية تحقيق أي نجاحات في مواجهتها مع «إسرائيل».

فملوك الأردن، العراق، مصر، مرتبطون مع البريطانيين بمعاهدات واتفاقات تشل من قدرتهم على الحركة. ولذلك لم يكن متوقعاً من الحكومة البريطانية أن تطلق يد العرب للعمل ضد الكيان الصهيوني، خاصة أن قيام هذا الكيان هو التطبيق العملي لوعد بلفور. وما يثير السخرية والأسى، أن الجيوش العربية على الجبهة الشرقية قد خاضت الحرب تحت قيادة غلوب باشا، المستشار البريطاني لملك الأردن.

وحين أوقفت المدافع إطلاق نيرانها، لم يجر تنفيذ قرار الأمم المتحدة رقم 181 الصادر في سبتمبر 1947 حول تقسيم فلسطين. لقد فرضت النتائج الميدانية للحرب تقسيم فلسطين إلى ثلاثة أجزاء: الجزء الرئيسي ضم حدود «إسرائيل» التي ظلت مستمرة، حتى حرب يونيو 1967، أما الجزء الثاني فكان الضفة الغربية، وضمها الملك عبدالله إلى مملكته، وبضمنها مدينة القدس القديمة، أما الجزء الأخير فقطاع غزة وتم وضعه تحت الإدارة المصرية.

والنتيجة، أن الحلم الصهيوني في اغتصاب فلسطين وإقامة وطن قومي لليهود على أرضها قد تحقق بقيام دولة خاصة بهم، بينما لم يتمكن الفلسطينيون من تحقيق حلمهم في تحرير فلسطين وإقامة دولتهم المستقلة فوق ترابها. لكن للتاريخ أحكامه، فالحقوق الوطنية لا تسقط بالتقادم، والسياسة مهما كان جبروتها وبطشها لا تلغي حقائق التاريخ، التي أكدت عروبة فلسطين، في سلسلة ممتدة من الزمن، ولآلاف السنين.