في ذكرى قيام الكيان... استمرار الصراع حول نشأته ودوره الوظيفي العدواني

حجم الخط

في اليوم 15 مايو أيار عام 48 من القرن الماضي شهد العالم قيام دولة عنصرية في الشرق الأوسط، تم فيه إنزال العلم البريطاني؛ علم الدولة المنتدبة على فلسطين وإعلان بن جوريون ما يسمي بوثيقة الاستقلال لدولة "إسرائيل" الذي أراد الغرب من خلالها أولاً: التخلص من المشكلة اليهودية التي أرقت القارة الأوروبية، وثانيًا: إعاقة قيام وحدة قومية لشعوب المنطقة المتجانسة حضاريًا، كما جاء في وثيقة بانرمان.. وهكذا بسبب الدعم الغربي الاستعماري، وبسبب التخلف والتجزئة في الواقع السياسي العربي انتصرت الحركة الصهيونية في إقامة كيان لليهود في أرض كنعان العربية أي فلسطين تحقيقًا لوعد بلفور وزير الخارجية البريطاني في اقامة وطن قومي لليهود، وقد استخدمت الحركة لتحقيق هذا الهدف كل المزاعم الخرافية الأسطورية التوراتية والتلمودية لتضليل جماهير اليهود في الشتات، وكانت في حاجة لاستخدام العقيدة الدينية كغلاف لجوهر طابعها العلماني، حيث طموحات البرجوازية اليهودية في تأسيس دولة على غرار البرجوازيات الأوروبية التي عملت على تحقيق الدولة القومية في بلدانها، وقد تميز مسعى الحركة الصهيونية في إقامة الوطن القومي لليهود بالصعود في مقابل تراجع الحركة الوطنية الفلسطينية في نضالها؛ بسبب بنية قيادتها الطبقية المتمثلة في هيمنة الأحزاب الإقطاعية والبرجوازية التي كانت تميل أكثر للعمل السياسي في مواجهة المخطط الصهيوني وسياسة الانتداب البريطاني، تمامًا كما يحدث الآن، حيث المراهنة من قبل النظام السياسي الفلسطيني الرسمي على أسلوب المفاوضات في تحقيق مشروع ما يسمى بحل الدولتين الذي وصل إلى طريق مسدود. 

لقد اختيرت فلسطين من بين عدة أماكن لتحقيق الهدف الصهيوني لارتباطها الروحي "بالإرث الديني" المختلق، وظلت إسرائيل كيانًا سياسيًا غير معترف به من قبل النظام العربي الرسمي حتى اندلعت حرب عام 73، وبعدها تغير الموقف العربي بشكل صارخ، وخرج عن الالتزام بالتمسك بقرارات مؤتمر القمة العربي المنعقد في الخرطوم عشية هزيمة يونيو 67 المعروف باللاءات الثلاث؛ لا تفاوض لا صلح لا اعتراف بالكيان الصهيوني، وذلك بتوقيع مصر اتفاقية كامب ديفيد برعاية أمريكية، وهو ما يعتبر أكبر إنجاز سياسي حققته إسرائيل بأسلوب المفاوضات بعد قيامها، وقد فتح هذا الاعتراف من أكبر دولة عربية الباب لاعتراف بعد ذلك كل من الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية.

ولكن رغم ما تحقق من انتصار سياسي للدولة العبرية لم تتوقعه الحركة الصهيونية نفسها، وأيضًا رغم ما يتم الآن من خطوات تطبيع مع كثير من الدول العربية، خاصة مع دول الخليج العربي؛ إلا أن هذه الاعترافات وهذه الخطوات التطبيعية لا تلغي الحقيقة الثابتة، وهي أن إسرائيل دولة في المنطقة لا مستقبل سياسي لها لأسباب ثلاثة؛ أولها: أنها دولة عنصرية وفي تكوينها الديموغرافي ما يغاير النسيج الحضاري لشعوب المنطقة، حيث التجانس في كل مقومات الأمة الواحدة؛ من لغة وعقيدة دينية ومصير مشترك، وبافتقارها لهذا التجانس مع المحيط العربي والإسلامي، ستبقى دولة محكومة بالتناقضات، خاصة التناقض القومي والديني، ومما يزيد الأزمة البنيوية فيها هي عدم قدرتها على صهر "المجتمع" الإسرائيلي في هوية وطنية راسخة، فظلت بذلك "الهوية" الإسرائيلية هوية بازغة - طارئة - مضطربة ومشوهة، لا ملامح خاصة بها تميزها عن الهويات الوطنية العربية والإقليمية الأخرى، عكس الهوية الوطنية الفلسطينية العميقة المتجذرة المتعلقة بالأرض، وبذلك فشلت الحركة الصهيونية في خلق قومية موضوعية لليهود في إسرائيل؛ بسبب تعدد أصولهم القومية وتنوع ثقافتهم الحضارية رغم توظيفها للتعاليم التوراتية والتلمودية، فيما يسمى بشعار شعب الله المختار، وكذلك شعار العودة إلى أرض الميعاد...

أما السبب الثاني هو أن استمرار وجود دولة إسرائيل مرتبط بعامل الضعف العربي، الذي يرتكز على التخلف والتجزئة، لكن هذا الضعف في الوضع العربي، والذي يتجسد في ظاهرة خشية الأنظمة العربية من القدرة العسكرية الإسرائيلية لن يكون حالة ركودية ثابتة، فكل شيء في المنطقة قابل لأن يطبق عليه قانون التحول، والخلل في موازين القوى بين الكيان الصهيوني والأمة العربية ليس ظاهرة ثابتة، خارج نطاق الصيرورة والحركة؛ فتعميم الديموقراطية في الوطن العربي وهزيمة ظاهرة الاستبداد السياسي للدول العربية وإقامة الوحدة القومية بين شعوبها كفيلة بفتح آفاق التطور الاقتصادي والاجتماعي، والوصول إلى طور التفوق على الكيان الصهيوني مما يسمح بتعديل موازين القوى لصالح الأمة العربية...

أما السبب الثالث وهو الهام والحاسم في الحكم على مصير دولة الكيان أن إسرائيل ستبقى دولة وظيفية مرتبطة دائمًا بالمصالح والسياسات الدولية، وستبقى تقوم بهذا الدور الوظيفي ولا فرق عندها أن تمارس هذا الدور لصالح الولايات المتحدة زعيمة المعسكر الإمبريالي الآن، كما كانت تمارسه قبل ذلك لصالح بريطانيا العظمي في الماضي، وهي على استعداد أن تمارس هذا الدور مع أي دولة عظمى قادمة تشكل بمفردها القطب الأوحد، الذي يقود النظام العالمي حتى لو كانت هذه الدولة العظمى الصين، الذي صعد دورها العلمي والاقتصادي في هذه الأيام الذي يشهد به العالم تفشي وباء الكورونا القادم منها.. كما هي على استعداد أيضًا لأن تمارس هذا الدور الوظيفي في المنطقة العربية نفسها مع الأنظمة العربية الرجعية الاستبدادية (التحالف مع دول الخليج في مواجهة التمدد الإيراني) بنفس الطريقة التي على استعداد أن تمارسها أيضًا مع التنظيمات التكفيرية الإرهابية، ومع بعض قوى المعارضة اليمينية الرجعية السياسية والمسلحة، وقد كشفت الصراعات الجارية في بعض دول المنطقة على وجود دور إسرائيلي لإدارة حالة الفوضى السياسية والأمنية، حتى يبقى النظام العربي الرسمي مشغولاً بهذه الحالة التي عملت على تهميش القضية الفلسطينية وتراجع الاهتمام العربي والدولي بها كقضية رئيسية للأمة العربية.

المهم أن وجودها مرتبط في كل المراحل الزمنية بهذا الدور الوظيفي العدواني الذي يخدم مصالحها أولاً في أن تبقى في المنطقة كدولة اغتصاب واحتلال وتمييز عنصري، وأن التوصل إلى حل سلمي للقضية الفلسطينية لصالح مشروع التسوية سوف يمكنها من تحسين قدرتها على الأداء الوظيفي في المنطقة خدمة للمصالح الحيوية الإمبريالية الغربية، وهو الأمر الذي يجعلها تبقى في موقع التناقض الرئيسى، أي بالمفهوم السياسي استمرار الصراع حول طبيعتها وشرعية وجودها ووظيفتها.