بقلم الأسير والأديب كميل أبو حنيش نهاية الصهيونية الدينية

حجم الخط

شكلت الصهيونية الدينية منذ ظهورها في نهايات القرن التاسع عشر محاولة للجمع بين اليهودية كدين، وبين الصهيونية كحركة سياسية علمانية، بعبارة أخرى حاولت الجمع بين طرفي نقيض، أي الدين والسياسة؛ إذ جاء ظهورها نتيجة للصراع ما بين الصهيونية وما بين التيارات الدينية التي وقفت ضد المشروع الصهيوني وأفكاره العلمانية، حيث كرست الصهيونية جهدها في السعي لتهجير الجماعات اليهودية إلى فلسطين، وإقامة دولة يهودية، وهو ما يتعارض مع صلب العقيدة الدينية اليهودية، التي ترى أن هذه المهمة حُصرت في "الماشيخ" المخلص، وماعدا ذلك يعد كفرًا وهرطقًة وخروجًا عن المعتقدات الدينية اليهودية.      

لقد ظهرت الصهيونية الدينية كمحاولة لكسر الهوّة الحقيقية ما بين الصهيونية واليهودية ولتلعب دورًا توفيقيًا في هذه العملية، وتعود جذور الصهيونية الدينية إلى أفكار عدد من الحاخامات أبرزهم الحاخامين يهودا القلعي (1798 - 1878) وتسڤي هرش كاليشر (1795 - 1874) الذين دعيا صراحةً للعودة إلى فلسطين، وأن خلاص اليهود ينبغي أن يأتي بالعودة وإقامة دولة يهودية، وعدم انتظار "الماشيخ"، والشروع في بناء مستعمرات كمقدمة لظهوره.    

وعند ظهور الصهيونية العلمانية على يد هرتسل أواخر القرن التاسع عشر، برزت خلافات حادة ما بين الاتجاه الديني وبين الاتجاه الصهيوني العلماني، وقد مثل ظهور حزب "همزراحي" أول تجسيد لأيديولوجيا الصهيونية الدينية أواخر القرن التاسع عشر، تلك الأيديولوجيا التي حاولت الجمع ما بين الديني والعلماني؛ الزمني والمقدس، والسعي لإيجاد مخرج ديني يقبل بأطروحات الصهيونية العلمانية.

نشط حزب همزراحي في أوساط الجماعات اليهودية في أوروبا، ثم انتقل نشاطه إلى فلسطين مع أوائل الهجرات اليهودية في بدايات القرن العشرين؛،إلى أن بقيَّ عاجزًا إزاء الاتجاهين الديني الأرثوذكسي والصهيوني العلماني؛ غير أن التطور في أيديولوجيا الصهيونية الدينية، والقفزة المهمة لأفكار هذا التيار كانت مع الحاخام "ابراهام اسحق هكوهين كوك" (1865 - 1953)، الذي كان يشغل موقع الحاخام الأشكنازي الأكبر في زمن الانتداب، ولعل أهم إنجازات هذا الحاخام تمثل في إنشائه لمدرسة "مركازهراف" التي كان لها دور في بلورة الأسس الفكرية للصهيونية الدينية، ومدّها بالآلاف من التلاميذ الذين تشبعوا بأفكارها، وسيكون لهم دور وإسهام كبيرين في نشاطها السياسي والميداني والأيديولوجي. وقد واصل ابنه "تسڤي يهودا كوك" طريق والده في تطوير أيديولوجيا الصهيونية الدينية، وهي ما باتت تعرف بالرؤية "الكوكيه" في هذه الأيديولوجيا.

تتلخص الرؤية "الكوكيه"، في محاولة الحاخامين كوك الأب والابن، تفسير التاريخ، والتطورات والأحداث السياسية وفقًا للرؤية الدينية، وإن الصهيونية العلمانية ليست بالضرورة مخالفة للدين اليهودي، وإنما هي جزء من الخلاص الديني، وإن إقامة دولة يهودية لا يتعارض مع العقيدة اليهودية، وإنما هي جزء من خطة إلهية لخلق الظروف والمقدمات لظهور الماشيخ، وحسب هذه الرؤية، فإن الصهيونية العلمانية هي بمثابة الجسد، فيما اليهودية، فإنها تمثل الروح لهذا الجسد، وبهذا ينبغى أن تتماهى اليهودية في الصهيونية التي تنطوي على الخلاص اليهودي. وبهذا وحسب هذه الرؤية، فإن الصهيونية تحوّلت إلى مشروع خلاص ديني، بعد ما كانت ولا تزال تعتبر حركة كفر وهرطقة من جانب التيارات والحركات الدينية الأرثوذكسية، وبهذا تحتل "دولة إسرائيل" ذات القداسة التي تحتلها "أرض إسرائيل" و "شعب إسرائيل"، وهو ما يتعارض تمامًا مع التيارات الدينية الأرثوذكسية.

أعطى الإعلان عن "دولة إسرائيل" عام 1948 للصهيونية الدينية دفعة مهمة للنشاط السياسي، حيث كان حزب المفدال هو المعبر عن هذه الأيديولوجيا، والذي شارك في مختلف الحكومات الإسرائيلية منذ الإعلان عن إقامة الدولة؛ غير أن حرب العام 1967، كانت المحطة الأكثر أهمية في انطلاق وتطور الصهيونية الدينية، ومنحتها المزيد من الذخيرة الأيديولوجية، وكان لها تأثير عميق في اتساع أنشطتها ونموها. وقد اعتبر الحاخام كوك الابن أن حرب 67 هي حرب دينية، جرى بموجبها استرداد وتحرير "الأراضي التوراتية" بما فيها مدينة "أورشليم" عاصمة داوود، وقد تهيأ لأتباع هذا التيار إنهم يعيشون عصر الماشيخ الذي سيظهر قريبًا، ومن أجل التسريع في مجيء "الماشيخ"، ركزت على الاستيطان، حيث يعود لها الفضل في بناء أوائل المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان، وتحدت الحكومة التي كانت تتحفظ على هذه الأنشطة، قبل أن يصبح الاستيطان سياسة حكومية رسمية.

نشطت حركة "غوش امونيم" وحققت العديد من الإنجازات على صعيد الاستيطان، منذ إنشائها وحتى أواخر التسعينيات من القرن الماضي، غير أن هذه الحركة انهارت وتلاشت قبل عدة سنوات؛ بسبب عدة عوامل منها: أن الاستيطان الذي كان يشكل إحدى نشاطاتها بات جزءًا من مهام الحكومة، كما تفشت فيها البيروقراطية، وتبرجزت العديد من قياداتها، علاوة على تنامي العلمانية في صفوف أتباعها، أما أهم أسباب تفككها، فيتلخص بالانسحابات الإسرائيلية من مساحات من الأراضي العربية بفعل المقاومة العنيفة، من جانب، والتسويات السياسية من جانب آخر، كما حدث في سيناء أواخر السبعينيات، والانسحاب من لبنان عام 2000، ومن قطاع  غزة عام 2005، وهو ما شكل ضربة قاضية للرؤية الكوكيه، وسبب لها أزمة أيديولوجية؛ فالمشروع الصهيوني في حالة تراجع وانكماش بدلاً من الاتساع، وهو ما يخالف أهم تصورات الصهيونية الدينية. كما وأخذت تتنامى الروح العرقية، وتتقلص الرؤية الدينية الكوكيه، وبعد إنهيار حركة "غوش امونيم"، ظهرت صهيونية دينية ذات توجه عرقي أكثر منه ديني، وأخذت تتلاشى الحماسة المسيانية التي كانت إحدى ميزات الصهيونية الدينية، كما واتسعت في صفوف الصهيونية الدينية الاجتهادات الفردية وتنوعت الآراء والمظاهر الدينية والثقافية.

وتمثل الصهيونية الدينية أيديولوجيا المستوطنين في الضفة الغربية، وكان يمثلهم أحزاب وتيارات كالمفدال والاتحاد الوطني، وبعد تلاشي هذه الأحزاب، قام على أنقاضها في السنوات الأخيرة "حزب البيت اليهودي"، الذى تزعمه نفتالي ببنيت، ومعه ايليت شاكيد، وخاض انتخابات عام 2013 وحصل على 12 مقعدًا وشارك بقوة في الحكومة، لكنه عاد وتراجع في انتخابات العام 2015 وحصل على ثمانية مقاعد وبقي محافظًا على تأثيره في الحكومة، غير أن تنامي الانقسامات الحادة بين أقطاب هذا الحزب قاد إلى تشققه أكثر من مرة خلال عام، حيث تشقق الحزب قبل عام وخاض انتخابات نيسان عام 2019 بقائمتين مختلفتين، واحدة بقيادة بينيت وشاكيد تحت اسم "اليمين الجديد"، وأخرى باسم تجمع قوى اليمين بقيادة الراب "رافي بيرتس" ومعه "بتسلال سمو تريتش"، وبمشاركة أتباع مئير كهانا وحركتهم المسماة "عوتسماه يهوديت"، بقيادة "ايتمار بن جبير"، وحصل هذا الحزب على خمسة مقاعد، فيما لم يحصل بينيت وشاكيد على أي مقعد، وفي جولة الإعادة الثانية للانتخابات في أيلول من نفس العام، عاد الحزب وتوحد مرة أخرى تحت اسم "يمينا"، وقادته هذه المرة ايليت شاكيد وسط امتعاض شديد من التيار الديني في الحزب؛ بوصف شاكيد امرأة علمانية، ما أدى إلى خروج أتباع كاهانا من هذا الائتلاف، ولم يحصل حزب يمينا سوى على ستة مقاعد، ليعود وينفرط عقد التحالف مرة أخرى في الطريق إلى الانتخابات الثالثة في آذار 2020، ثم العودة للتحالف بضغط من نتيناهو بعد إجبار رافي بيرتس على فك تحالفه مع "بن غفير"، وهذه المرة بقيادة بينيت، ولم يحصل الحزب إلا على ستة مقاعد، وهي نتيجة بائسة تعكس أزمة الحزب وتخبطه وتعبر عن أزمة أيديولوجية عميقة.

وقد كان لتشكيل حكومة نتيناهو غانتس، أن يشكل ضربة كبيرة لحزب يمينا، حيث لم يعرض نتيناهو على أقطابه المتصارعين سوى حقائب هامشية في الحكومة، فيما قرر بقية قادة الحزب عدم المشاركة في الحكومة، وقد أعلنوا بمرارة أن نتيناهو سدد لهم وللصهيونية الدينية ضربة قاتلة، وهو ما ينذر بالمزيد من التفكك في الحزب وربما تلاشيه.

ومن المرجح أن يتفكك الحزب، غير أن الأيديولوجيا الصهيونية قد تشهد إعادة إنتاج من جديد، لتشهد ميلاً أكثر نحو اليمين، وتغدو أكثر عرقية وأقل دينية، وسيكون الاتجاه الأكثر فاشية، والمستفيد الأكبر من هذا التحول والمتمثل بحركة "عوتسماه يهوديت" التي يقودها بن غفير وباروخ مارزيل وآخرين، وقد يكون بمقدور هذه الحركة مستقبلاً أن تجتاز نسبة الجسم ويصبح لها أعضاء في الكنيست وربما في الحكومة.

إن الصهيونية الدينية وهي تعيش أزمتها الأيديولوجية، فإن حرمان الحزب الذي يمثلها من المشاركة السياسية سيفاقم من هذه الأزمة، وستشهد انقسامات حادة وبروز أكثر من تيار ينتمي لذات التوجه، لكن في المجمل ستغدو هذه الحركة أكثر علمانية وعرقية وأقل دينية ومسيانية، ولن يكون مصير مثل هذه الحركات سوى التلاشي والاندثار. وقد يكون من المبكر الحديث عن نهاية الصهيونية الدينية، غير أن هذا الهجين الغريب الذي يجمع بين نقيضين: الصهيونية واليهودية، أكبر دليل على أزمة اليهودية وأزمة الصهيونية على حد سواء، وتلاشي هذه الأيديولوجيا والأحزاب الممثلة لها، سيعني فقدان الساحة السياسية والحزبية في إسرائيل، لأهم القوى اليمينية الأكثر تماسكًا وتمسكًا بمواقفها الأيديولوجية والمبدئية من الصراع مع العرب والفلسطينيين، كما سيضعف المستوطنين وتأثيرهم في القرارات السياسية، وهو ما قد يدفعهم إلى الاندفاع أكثر نحو اليمين الفاشي المتمثل ب "عوتسماه يهوديت"؛ الأمر الذي يعني اتساع الأنشطة والممارسات الإرهابية ضد الفلسطينيين في كل مكان على الأرض.