أمريكا العنصرية.. نحو حل جذري ديمقراطي للمسألة العرقية

حجم الخط

 

   الاحتجاجات الشعبية في أمريكا، والتي وصلت إلى محيط البيت الأبيض وأسوار حديقته، لم تكن الأولى من نوعها، ولن تكون الأخيرة كذلك، نظرًا لطبيعة نشأة وتكوين الدولة الأمريكية ذاتها  التي قامت كحالة استيطانية كبرى على أنقاض قبائل السكان الأصليين للبلاد، وهي قد جاءت أيضًا في وقت مناسب  لتكشف بجلاء للعالم عن وجه أمريكا الحقيقي العنصري الفاشي الإمبريالي، الذي يخفيه تمثال الحرية، وهو من أشهر معالم مدينة نيويورك،  ولتعطي في نفس الوقت مؤشرًا واضحًا على أن هذه الدولة العظمي التي تتحكم في مجريات السياسة الدولية؛ بسبب ما تمتلكه من قدرات عسكرية موزعة في أرجاء العالم  هي لا محالة في طريقها إلى التفكك السياسي، وذلك كما حصل للإمبراطوريات الكبرى التي شهدها التاريخ الإنساني، وكما حصل أيضًا في التاريخ السياسي المعاصر لدول اتحادية كبرى؛ كالاتحاد السوفييتي السابق، ودولة يوغسلافيا الاتحادية، وإن اختلفت في هذه الوقائع السياسية أسباب التفكك والانهيار.

في رحلة البحث عن حل للمسألة العرقية في أمريكا ينهي سياسة التمييز العنصري جذريًا، هناك رؤية بدأت تتشكل لدى كثير من قطاعات الأقلية العرقية السوداء، خاصة من الشبان الذين تحصلوا على ثقافة سياسية عالية؛ تصب في الاعتقاد بعدم القدرة على الاستمرار في حياة  التعايش بين البيض من الأصول الأوروبية الذين يتمسكون برقي وتفوق أعراقهم، خاصة ممن   ترجع أصولهم للعرق الآري،  الذي استندت إليه  النظرية النازية، بإدعاء المجال الحيوي لألمانيا،  وهؤلاء يشكلون الأغلبية في تعداد السكان، والسود ذوي الأصول  الأفريقية  الذين جلبوا  في الأصل كعبيد للعالم الجديد، يمارس عليهم كل أنواع التمييز والاضطهاد القومي والعرقي العنصري.

لقد أفضت حركات الاحتجاج التي قام بها السود الأمريكيين على مدى العقود الماضية، وكان أهمها على إثر مقتل مارتن لوثر كنج؛ داعية الحقوق المدنية الأسود عام 68 من القرن الماضي على الحصول على بعض الحقوق المدنية، وقد وصل الأمر أخيرًا  إلى تولي عضو الكونجرس الأمريكي من الحزب الديمقراطي؛ أوباما من الأصول الأفريقية رئاسة الولايات المتحدة، ولكن في واقعة حصلت في أحد اجتماعات الكونجرس؛ قام أحد الأعضاء البيض من الحزب الجمهوري وخاطبه بألفاظ قاسية، مشيرًا إلى لون بشرته السوداء، وهكذا ظلت  مسلكيات التمييز العنصري حاضرة في الحياة اليومية، وثابتة لا تتغير في وعي البيض الأمريكيين، وإن استمرار هذه الحالة السياسية والاجتماعية التي ما زالت تمارس ضد هذه الأقلية الكبيرة المضطهدة، سوف تعمق  فكرة الخلاص نهائيًا من اضطهاد الجنس الأبيض، وسوف تدفع آجلاً أم عاجلاً  ببروز حركات تحررية  للسود في الولايات المتحدة، تتجاوز المطالب المتعلقة بالحقوق  المدنية، وذلك لإيجاد حل ديمقراطي جذري  للمشكلة العرقية، كما هو حال مطلب الأقليات العرقية المضطهدة في العالم الذي يمارس عليها التمييز من قبل الأغلبية والطغمة الحاكمة.

من الجدير ذكره على هامش الاحتجاجات الشعبية التي تحولت إلى أحداث مدمرة، هو التأكيد على أن مبعثها الأساسي التمييز على خلفية عرقية بمقتل جورج فلويد من الأصول الأفريقية،  وليست بسبب الفارق  الطبقي والاجتماعي؛ غير أن  العامل الاقتصادي كان له الدور الكبير  في عملية الاصطفاف الواسع الذي حدث، حيث انضمام خليط طبقي واسع من المجتمع الأمريكي، يعاني فئاته الاجتماعية؛ من مساوئ النظام السياسي الرأسمالي الإمبريالي، وقد جاءت أزمة الكورونا الصحية  العالمية لتكشف تفاقم الصعوبات المعيشية لهذه الفئات المهمشة في المجتمع البرجوازي الأمريكي، والتي عمليًا تقع خارج نطاق البحبوحة والرفاهية التي يتمتع بها المواطنين البيض، وقد سجلت فيها، خاصة بين المواطنين السود والملونين أكثر نسبة من الإصابات والوفيات، وهو ما يؤدي عمليًا في المستقبل إلى تضافر العاملين العرقي والطبقي الاجتماعي بين أوساط الجماهير الشعبية الأمريكية، في كتلة تاريخية واحدة تناضل للوصول إلى حل ديمقراطي عادل جذري للمشكلة العرقية والاجتماعية.