في وجوب خروج م.ت.ف من الأرض المحتلة وانفصالها عن السلطة: طلاق الحلول السريعة

حجم الخط

كلما اشتد العدوان يُفترض بالقوى الثورية حتى لو ضعيفة أن تجذِّر موقفها وتتصالب أكثر، وضمن ذلك وبحده الأدنى وضع النقاط على الحروف، إن لم نقل النقد الحامض. تحتاج قيادة الحكم الذاتي إلى باحث حاذق ليجمع تصريحاتها ويُجري عليها بحثًا وتحليلاً واستخلاصات، ذلك لأنه لم يعد من معنى للاهتمام بما يقولون وإنما بما يفعلون من جهة، ومن جهة ثانية وجوب الطلاق مع هذه القيادة. أما الحديث عن انتخابات "ديمقراطية" فهذا كان كارثة كونها بتصميم أمريكي وتحت الاحتلال، ويبدو أننا صدرناها إلى العراق و ليبيا !

وبكلام محدد، هذه قيادة حركة فتح، وليست قيادة لا كل ولا جزء جغرافي من الشعب الفلسطيني. لها هوامش تحالفات بل احتواء، نعم، لكن هذا لا يغير في المشهد شديد الوضوح حد الفجاجة. الموقف الجلي لسلطة الحكم الذاتي هو الاعتراف بالكيان على المحتل 1948، ويبدو أن هذا اعتراف مؤقت ومطاط؛ بمعنى أن توسيع جغرافيا الكيان، برأي هذه السلطة، أمر وارد بل وارد في النصوص، فاتفاق أوسلو ينص على التوسع الطبيعي للمستوطنات وهذا يعني:

  • شرعية المستوطنات، وهذا أوسع من جغرافيا 48؛
  • وتوسع المستوطنات "الطبيعي" وكأنها مشروع اقتصادي شرعي، ومقابل اعتراف هذه القيادة بالكيان قدم لها الكيان حكمًا ذاتيًا مفاده: إن الدولة اليهودية تعطي ترخيص عمل لحزب سياسي في يهودا والسامرة وغزة تحت اسم "منظمة التحرير الفلسطينية- غريب أن رابين قبل ب كلمة تحرير" كي يعمل إداريًا وماليًا، وذلك ضمن الدولة اليهودية التي سيطرت على كل فلسطين منذ 5 حزيران 196، ولكي تستمر هذه السلطة، فإن العقد هو؛ توفير ريْع مالي لهذه السلطة، مقابل تمسكها باتفاق أوسلو وتطويرات العدو له. هذا الموديل السلطوي وضع الشعب في مصيدة.

قُبيل أوسلو كان تشغيل عمالنا في الكيان، رغم الاستغلال الطبقي والقومي يوفر تحويلات تسد عجز الميزان التجاري للمحتل 1967، إضافة إلى تحويلات المغترب والشتات لأهلهم، وكان العالم يدعم روايتنا بأننا أرضنا محتلة. بعد أوسلو تم تشغيل الكثيرين في أجهزة السلطة المتنوعة العلنية والمخفية، ولم يعد الاعتماد على العمل داخل الكيان أساسيًا سوى طبقًا لحاجة الكيان المحكومة سياسيًا، وتم تمويل السلطة من أعداء الشعب؛ من أمريكا لأوروبا إلى الأنظمة العربية الكمبرادورية. وكانت المصيدة، حينما لا يرضى هؤلاء عن السلطة، يتوقف التمويل.

أوضح ما حصل في هذا السياق حينما فازت حماس في الانتخابات، وها هو الأمر يتكرر اليوم! بالمناسبة، فإن سماح العدو الأمريكي للخليج بتمويل م.ت.ف منذ 1965، كان مصيدة خطيرة؛ لأنه تعويد للمقاومة على الرشى كي تنتفخ بيروقراطيًا وماليًا بالطبع، وبالتالي لن تقاوم. وهذا يفتح على حقيقة مفادها: هل يُعقل أن تسمح أمريكا للخليج بتمويل مقاومة تهدف تحرير فلسطين؟

إذا صح هذا التشخيص، فإن أية علاقة بهذه السلطة هي من باب العبث، وأية قيادة تواصل هذه العلاقة، تقوم أولا وقبل كل شيء بتفكيك تنظيمها وحتى مؤيديها. لا يعني هذا فتح صراع معها، ولكن الذهاب باتجاه آخر أي المقاومة ما أمكنها والعمل الاجتماعي الاقتصادي على إعادة بناء البلد، وهو ما نسميه "التنمية بالحماية الشعبية".

كان بالإمكان تفكيك هذه السلطة في بواكير فرضها على الأرض المحتلة 1967، أما اليوم فمن المبالغة غير العلمية بالطبع الحديث عن حل السلطة التي يعيش من نقودها ريعية المصدر قرابة نصف أهل البلد، بل وأبعد، فهذا النصف الرواتبي، ينزل في نهاية الشهر إلى السوق ليشتري من التاجر ومن المنتج المستقل، وهذا باختصار يعني عدم حماسة الشارع لتفكيك السلطة، رغم أن تفكيكها أُمنية. ولا أبالغ إذا قلت بأن هناك من سيغتال غيره؛ من أجل بقاء السلطة ناهيك عن جهاز دايتون. هنا نتحدث عن حالة طبقية تخترق بمصالحها المجتمع عاموديًا، تبدأ من الرئيس وتنتهي بعامل نظافة يشكر السلطة؛ لأنها منحته وظيفة بينما جاره بدون. قد يكون لي أن أنعت ذلك ب "شعب السلطة"؛ لأنها مثابة تكوينات طبقية من الملياردير إلى آذن المدرسة، يجمعهم موقع في السلطة وظيفي؛ إكسير حياته ومادته اللاصقة هو "الرْيع".

 قد يحبك أحدهم كثيرًا، ولكن حين الجد، يشده بعنف راتبه الشهري، ناهيك عن مواقع الفساد، هذا يفتح على حديث عن: لماذا لم تكن للسلطة خطط تطوير وانحصر دورها في تلقي أموال وجمع ضرائب ودفع رواتب؟!

سوف تواصل هذه السلطة التلهي بالبيانات وتغيراتها وإعادة خلطها... الخ، ولكنها لن تفعل شيئًا. وهنا أود تثبيت أمرين؛ الأول: أن لا يُطلب من هذه السلطة المُحال، فهذه عزيمتها بناء على مصالحها, وقد يكون رئيس السلطة أصدق من يشرح ذلك وكأنه، بل هو يقول: "يا عمي إلي مش عاجبينه يروح"!. والثاني: ليس المطلوب الصراع مع السلطة؛ لأنه سيكون جهد مجاني وفائض قوة استثمارها لا ينتج، وفي ظرف معين يمكن أن يدفع العدو زمرة "عسكرية" لانقلاب وتولي السلطة وتنفيذ حتى ما لا تقم به السلطة الحالية. ولو افترضنا أن بوسع البعض إسقاط السلطة، وذلك طبعًا بعد دماء، فأين سيصل؟ سيصل إلى سلطة أخرى تنسق مع الاحتلال من أجل الماء والهواء، وسيفرز ذلك تنسيقًا أمنيًا.

لذلك، ربما الطبيعي هو: وجوب خروج م.ت.ف من الأرض المحتلة، حتى لو يقرر ذلك فصيل واحد، ولتبقى السلطة كما شاءت؛ فخروج م.ت.ف يعني الاعتذار للشعب العربي والفلسطيني عن أوسلو، وبالتالي محاولة إعادة بناء حالة مقاومة ضمن تحالف المقاومة. تحضرني في هذه اللحظة من الحديث فكرة أو شعور عفوي في أوساط شعبنا منذ صباي "بعد شوي اللاجيين راجعين"!، وأعتقد أن هذا هاجس كل من يتعاطى مع أي مشروع "تسوية".." رُفعت الأقلام وجفت الصحف"؛ لا عودة بلا تحرير، ولا تحرير بقيادة تحت فرج العدو، ولا استعادة للشارع العربي وقيادة م.ت.ف هنا. كل هذا مُكلف، ولكن للمشاريع الكبيرة كُلفتها.

إذا صح أن السلطة أوقفت علاقتها بأمريكا، فإن الأصح قطع علاقة م.ت.ف بالعدو؛ لأن السلطة لا يمكن أن تفعل ذلك لأنه يعني انتهاء وجودها، وحتى لو فعلت ذلك، فلا غنىَ عن خروج م.ت.ف، وحينها ليقم الاحتلال بتفكيكها.

بقي بعض الكلام عن الضم بالمناورة، فقد راج حديث كثير بأن هناك يهودًا ضد الضم، وتغنجات من عباءات الخليج، وضغط شعبي في الأردن على النظام... الخ، لكن الحقيقة الأقوى، ونحن نعيشها على جلدنا، أن العدو في كل شبر؛ إلا إذا كان بعضنا يعتبر الضم هو النوم في أسرَّتنا! ومع ذلك، فالضم اليوم في تزايد أكثر من أية فترة سابقة، هو في الحقيقة الهضم؛ لأن القضم تم منذ 1967 بجعل وطننا دولة لكل مستوطنيها، ما لم يهضمه الاحتلال بعد بسبب: عدم توفر كادر بشري من المستوطنين، وعدم توفر كلفة ذلك، وهذا يوصلنا لنقطة أخيرة مفادها، فليقاوم كل منا قدر جهده، ولتعِد م.ت.ف تموضعها خارج الوطن، قبل أن تبني الثورة المضادة ضدها/نقيضها، كما بدأ يكتب فريق فتى الموساد وتمفصلاتهم.

حاشية: وجود م.ت.ف في الخارج وحده الذي يعيد تماسك التجزئة السياسية الفلسطينية، تجزئة المشروع الوطني، بين الضفة، غزة، الشتات و48