صراع يحكمه توازن الرعب والمصالح

حجم الخط

الوضع السياسي الراهن في الشرق الأوسط يسوده على المستوى السياسي معسكران متناقضان كل منهما له أهدافه السياسية المعلنة ومصالحه، وعلى أثرها يبدو واضحا المشهد السياسي: معسكر المقاومة أو ما درج في وسائل الإعلام العربية على تسميته بمحور المقاومة. والمعسكر الثاني هو المعسكر الإمبريالي الصهيوني الرجعي، والصراع بينهما الآن هو شبيه بالصراع الذي كان يحكم العلاقة بين المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي السابق، وبين المعسكر الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. فمنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية التي انتهت لصالح دول الحلفاء تشكل هذان المعسكران الأخيرين وكانا يتنازعان على السيادة الدولية من خلال التدخل في الصراعات الإقليمية، لكن لم تحدث بينهما أية مواجهة عسكرية شاملة، فقد كان التوتر بينهما ينتهي دائمًا بأخذ عامل توازن الرعب الذي يقوم على حسابات السلاح النووي، وذلك كما حصل في الأزمة الكوبية في فترة الستينيات من القرن الماضي بين واشنطن وموسكو في عهد خروتشوف؛ بسبب وجود الصواريخ السوفييتية في الجزيرة الكوبية التي يسودها النظام الاشتراكي الماركسي برئاسة فيدل كاسترو في ذلك الوقت، وهي كذلك الأقرب جغرافيًا للولايات المتحدة، وقد انتهت حالة التوتر التي كانت تفضى إلى حرب عالمية ثالثة بنقل الصواريخ النووية السوفيتية، وبذلك ظلت العلاقة بين المعسكرين الدوليين تسودهما حالة حرب باردة تقوم على المواجهة السياسية والفكرية والسباق على التدخل في الأزمات والصراعات الإقليمية، كما ظل التناقض الرئيسي على المستوى الاقتصادي والاجتماعي العالمي قائمًا بين الطبقة الرأسمالية التي تطورت إلى الطابع الإمبريالي، وبين نقيضها الطبقة العاملة والفئات الشعبية الكادحة الأخرى، بعيدًا عن الحسم حتى إنهار الاتحاد السوفييتي وزال حلف وارسو وتفكك المعسكر الاشتراكي والتحق معظم دوله بحلف الناتو وبالمنظومة الرأسمالية الغربية.

الواقع، أن ما حصل في العلاقة السياسية التي كانت سائدة في زمن الحقبة السوفيتية بين النظامين السياسيين الرأسمالي والاشتراكي والقطبين النقيضين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي على المستوى الدولي يوجد ما هو شبيه له الآن على مستوى الشرق الأوسط، فما يسمى بمحور المقاومة الذي تقوده إيران، والمعسكر الإمبريالي الصهيوني الرجعي الذي تقوده واشنطن؛ بقت العلاقة بينهما بعيدًا عن المواجهة العسكرية الشاملة، فكم من حرب تعرض له قطاع غزة من قبل الكيان الصهيوني وكانت مدمرة وقاسية وقد استمر أحدها خمسون يومًا دون مشاركة حزب الله على الجبهة الشمالية كما كان متوقعًا؟ أما دفاع إيران عن النظام السوري فهو ليس بدافع موقف سوريا الوطني والقومي من مسألة الصراع العربي الصهيوني، بقدر ما هو دفاع يستند على العامل الطائفي، حيث النظام البعثي صبغ بصيغة طائفية علوية شيعية، وهكذا أيضًا موقف حزب الله من الأزمة السورية، وكذلك بحكم أنها شريانها المقاوم. أما موقف حركة حماس من هذه الأزمة فهو نابع من مواقف تيار الإسلام السياسي السني الأمر الذي أنهى علاقة حماس الوثيقة التي كانت تربطها بالنظام السوري، وقد استبدلتها بالعلاقة مع تركيا الذي يتولى الحكم فيها حزب العدالة والتنمية الإسلامي.

حقيقة لقد كان من المؤمل عند الجماهير العربية والإسلامية التي ما زالت على مواقفها الوطنية والقومية والدينية في العداء الكامل لدول الغرب الاستعماري الإمبريالي، وفي المقدمة منها الولايات المتحدة الأمريكية، وللكيان الصهيوني العنصري ولأنظمة الرجعية العربية العميلة، أن يخوض معسكر المقاومة صراعًا حقيقيًا بدافع الانتماء للمبادئ بعيدًا عن المصالح ضد المعسكر الإمبريالي الصهيوني الرجعي، وهناك عناوين هامة متوفرة الآن تدفع بهذه المواجهة كمشروع تصفية القضية الفلسطينية من خلال ما هو مطروح، بما تسمى بصفقة القرن الأمريكية المنحازة بشكل كامل للرواية اليهودية، والذي يعتزم الكيان الصهيوني برئاسة نتنياهو وجانتس تطبيق أحد بنودها متمثلًا بمخطط الضم والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية المحتلة الذي يصادر ما يقارب ثلث أراضيها، وقد كان الأول من شهر يونيو الحالي إعلان البدء لهذا المخطط؛ غير أن التأجيل الذي حصل أو التدرج المتوقع في التطبيق هو فقط لتفادي الضغوطات الدولية، وليس تراجعًا عن المخطط نفسه الذي بدأ التفكير به منذ احتلال الضفة الغربية في عدوان يونيو/ حزيران 1967. في خضم البحث عن العناوين السياسية المتوفرة الآن التي تدفع بالمواجهة والصدام بين المعسكرين هو ما يحدث من فوضى سياسية وأمنية في بعض دول المنطقة العربية؛ سوريا و ليبيا واليمن، خاصة تفاعل الأزمة الليبية مؤخرًا على المستوى الإقليمي والدولي؛ بسبب تدخل أطراف إقليمية ودولية كبري تركيا وروسيا وفرنسا، وأطراف عربية أيضًا، أي بصورة عامة أن حالة الصراع في المنطقة العربية لن يتوقف في مواجهة معسكر الأعداء لإفشال مخططاتهم الراهنة والمستقبلية، وهو صراع تاريخي يحمل أبعادًا سياسية واقتصادية وأمنية ودينية، حيث على أثر نتيجة هذا الصراع المتواصل على أساس معاداة الكيان الصهيوني وحليفة الاستراتيجي الولايات المتحدة والرجعية العربية التي أنعطف دورها بشكل خطير لصالح التحالف الصهيوني الإمبريالي؛ سوف تتشكل الخارطة السياسية للمنطقة، إما لصالح شعوبها في التحرر والتقدم والتخلص من علاقات التبعية بكل أشكالها، وهو ما تتطلع إليه الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج، وإما المزيد من الهيمنة السياسية على مقدراتها وإبقاء بلدانها في حالة تجزئة سياسية وانقسام طائفي وعرقي.