حول انفجار بيروت وزيارة ماكرون

حجم الخط

رحل الاستعمار الفرنسي عن لبنان بشكله الاحتلالي "الكولنيالى" عام 1946، وحصل بذلك على استقلاله الوطني كسائر البلدان التي وقعت كمستعمرات للدول الأوروبية بعد الحرب العالمية الأولي، لكن الحقبة الاستعمارية الطويلة استمرت تُعملّ بعد ذلك تأثيرها الفعلي العقلي على تشكيل الوعي السياسي  والتكوين الثقافي لغالبية طوائف الشعب اللبناني المتعددة  التي  أصبحت تعيش في حالة استلاب ثقافي واغتراب حضاري فريد من نوعه في المنطقة التي تحررت شعوبها  من ربقة الاستعمار وبقطيعة من كل ما خلفه من موروث ثقافي  استعماري؛ غير أن الوضع في لبنان كان شيئاً مختلفاً، فمع ظهور الكيان اللبناني ال قطر ي بعد الاستقلال وترسخه، وكان وما زال كياناً طائفياً الغلبة فيه للأحزاب الطائفية ذات المصالح المتعارضة. فالتطلع نحو الغرب بحكم الكثافة السكانية المسيحية ظل يسوده التفاعل الثقافي وليس القطيعة، لذلك يجيء الحنين لفرنسا وإظهار مشاعر الود والتعاطف نحوها، بحكم المرحلة الاستعمارية الماضية هو  مظهر ثابت في العلاقات السياسية اللبنانية الفرنسية، وحرص دائم تبديه غالبية القوى السياسية اللبنانية على الاحتفاظ به وإظهاره عملياً في المناسبات والأزمات،  لذلك لا غرابة أن يهرع الرئيس الفرنسي ماكرون لزيارة لبنان، إثر انفجار بيروت،  ليس حباً للبنان أو تعاطفاً مع شعبه المكلوم الذي روعه انفجار مرفأ بيروت المدمر، بقدر ما هو  إظهار لتاريخ العلاقة الاستعمارية التي تربط فرنسا بلبنان كأحد  مستعمراتها القديمة التي حصلت على الاستقلال، وقد ينفرد الاستعمار الفرنسي عن غيره من الحركات الاستعمارية الغربية، بأنه قد خلق في فترة الاحتلال الكولنيالى  جيلاً كاملاً من الشعب متأثراً بالثقافة الفرنسية بكل مظاهرها؛ بداية باللغة والموسيقى إلى غيرهما من مظاهر الحياة الراقية الناعمة، لذلك لم تعد الخصوصية اللبنانية مقصورة في المنطقة على تعدده الطائفي، بل أصبحت عند الكثيرين في الأوساط السياسية والإعلامية اللبنانية والعربية تميزاً ثقافياً، بإبراز رقي الشعب اللبناني وتمدنه الاجتماعي الذي يواكب العصر على غيره من الشعوب العربية التي حوله، خاصة دول الخليج العربية ذات الطابع البدوي، وذلك بحكم تأثره بالثقافة الفرنسية وإعجابه عموماً بنمط الحياة الغربية.

هكذا فإنه ليس غريباً أيضاً أن يتوجه بعض اللبنانيين إلى السفارة الفرنسية في بيروت طلباً لعودة الوصاية الفرنسية أو الانتداب مرة أخرى للبنان، يدفعهم بذلك كراهية عميقة للانتماء القومي بمحيطه العربي والإسلامي، وهدفهم السياسي من وراء ذلك هو تحقيق  حياد لبنان السياسي  وانعزاله عن ما يحدث من متغيرات في المنطقة العربية.

لقد كشف حادث الانفجار المروع في مرفأ بيروت طبيعة تكوين النظام السياسي الطائفي اللبناني الذي لا يعبأ بحياة الشعب، بقدر اهتمامه بتحقيق مصالح تيار الطائفية البرجوازية، حيث لا يعقل تخزين مادة الأمونيوم الخطيرة القابلة للانفجار في عنبر 12 في المرفأ الذي يحتوى على مواد تموينية، وتبقي مدة طويلة تقارب ستة أعوام، دون البت في مسألتها؛ إما بإتلافها أو بتسليمها للجيش اللبناني، باعتبارها مادة تدخل في عداد التسليح تمت مصادرتها، وقد كانت في طريقها كما تقول بعض المصادر إلى التنظيمات الإرهابية في سوريا. لا يعقل أن يحدث ذلك بعدم الاهتمام والاستخفاف بأرواح المواطنين، لولا أن هذا النظام الطائفي تحكمه سلطات متعددة، قد تتضارب في مصالحها السياسية والاقتصادية إلى حد وجود مافيا سياسية خارجة فوق سيادة القانون.

لقد ألهب هذا الانفجار مشاعر التعاطف نحو لبنان الذي تجتاحه أزمة اقتصادية قاسية؛ غير أن الأسئلة التي تبحث عن إجابة يقينية أخذت تطرح من الجميع وهي : كيف وقع هذا الانفجار المروع؟ وما هي أداة التفجير؟ وهل كان التوقيت، حيث الأزمة الاقتصادية التي تجتاح لبنان وكذلك التوتر على الحدود بين لبنان والكيان الصهيوني في الحسبان؟