ما هي الخيانة، وهل ممكن تجزئتها؟

حجم الخط

بقلم اسحق أبو الوليد

في الواقع لسنا أمام تعريف لغوي، حيث نستطيع أن نجد هذا التعريف في معاجم اللغة العربية وقواميس كافة اللغات، وممكن أن يتم اقتراف فعل الخيانة في العلاقات الشخصية والعامة وفي أماكن العمل وغيرها، بما فيه خيانة الذات، ومن يقدم على جرم من هذا النوع يحاسب ويدفع الثمن؛ إما من علاقاته وأملاكه أو من حياته ذاتها، فما بالك إذا كانت الخيانة تتعلق بحياة وأملاك وحقوق ملاين من البشر؛ أي خيانة وطن وأمة بأكملها؟ فعندما أعلن الرئيس المصري السابق أنور السادات، أنه على استعداد "للذهاب إلى الكنيست" أطلقت عليه الشعوب العربية قاطبة صفة الخيانة، لمجرد أنه أعلن ذلك، وتمت مقاطعة نظامه من كافة الدول العربية عندما أقدم على توقيع اتفاقيات كامب ديفيد مع الكيان الصهيوني عام 1978؛ بسبب "خيانته للأمه العربية ولقضاياها القومية خاصة للقضية الفلسطينية"؛ السادات لم يطرح مبادرته بإيعاز من "الوحي"، ولم تأتي صدفة، بل نتيجة مسير طويل ومتكامل في إطار نهج ما يعرف ب "التسوية السلمية لحل النزاع"، وهذا ينطبق على كل من لحق بالسادات وكامب ديفيد، ولم يحدث صدفة أيضًا تواجد منظمة التحرير الفلسطينية؛ ممثله برئيسها في ذلك الحين، الراحل ياسر عرفات ، في مقدمة صفوف المسحجين والمشجعين "لمبادرة الرئيس" التي طرحها في مجلس الشعب المصري. ولكن وبسبب الرفض العارم، الرسمي والشعبي، على المستوى العربي ورفض الاتحاد السوفييتي الحليف الأوحد في ذلك الحين للأنظمة العربية الوطنية ومنظمة التحرير وتشكيل جبهة الصمود والتصدي، دفع "المنظمة" إلى مقدمة صفوف المعارضين الذين اعتبروا السادات خائن؛ بسبب اعترافه ب "إسرائيل"، ولتطمين مؤيديه وحلفائه، كان ياسر عرفات في تلك الفترة يكتب وبخط يده في مجلة فلسطين الثورة "إذا تجرأ ياسر عرفات على الاعتراف بإسرائيل سيخرج أبي من القبر ليقول لي بأنك خائن".

نعم، هذا هو الوضع الطبيعي والذي تمثل برفض التسليم بشرعية أو قانونية وجود "دولة إسرائيل" على أرض فلسطين أو في أي جزء من الوطن العربي، ولكن هذا لم يستمر طويلًا، حيث بأقل من عشر سنوات تم فك العزلة الرسمية عن النظام المصري، وتهافت الحكام العرب على العلاقات مع هذا النظام بعد زيارة ياسر عرفات للقاهرة في العام 1985، وإعلانه من هناك أنه يدين الإرهاب تلبية لطلب أمريكي صهيوني لبدء اتصالات مع منظمة التحرير الفلسطينية، بوساطة مغربية مصرية التي أفضت إلى المشاركة في مؤتمر مدريد؛ من خلال الوفد الأردني، ومن ثم بشكل "مستقل" بعد أن حصلت على "شهادة حسن سلوك" باستكمالها "للشروط  التي قدمها العدو الصهيوني لمشاركتها في "المفاوضات" كممثل عن الشعب الفلسطيني، وخاصة تعهدها بأنها على الاستعداد للاعتراف بشرعية الكيان الغاصب الاستعماري على أرضنا "إسرائيل"، هذه المفاوضات التي أخذت المنحى السري أفضت إلى توقيع اتفاقيات أوسلو ووثيقة الاعتراف بدولة العدو، مقابل اعترافهم بأداة التفاوض، أي (م. ت. ف) التي أصلًا كانوا قد اعترفوا بها ضمنًا عندما قبلوا الجلوس معها والتحدث إليها 

ما الذي تبدل، كي لا يعود خيانة وطنية "الاعتراف بإسرائيل والقبول بقرار التقسيم الذي منح الصهاينة 54 في المئة من فلسطين التاريخية" كما هو مثبت في وثائق منظمة التحرير وكافة الفصائل والقوى المشاركة فيها (عدا حزب الشعب؛ الشيوعي سابقًا)؟ وكيف حول اتفاق أوسلو التنازل عن 78 في المئة من أرض الوطن "إلى انجاز وطني وانتصار سياسي ومصلحة قومية ووطنية"؟ ولماذا بارك فريق أوسلو الاتفاق الأردني "الإسرائيلي" المعروف باتفاق وادي عربة، والذي يؤكد على الاعتراف وإقامة علاقات كاملة، بما فيها تبادل السفارات؟ وماذا جرى كي يصبح الاعتراف بالكيان والتطبيع معه "خيانة وطعنه في الظهر" من قبل نظام عشائر الإمارات التابع والعميل للإمبريالية منذ تأسيسه؟ وهل هذا هو نفس الموقف الذي سيتخذه فريق أوسلو من حكام آل سعود الغارقين في العلاقات مع الكيان منذ عقود، بل يمكن القول وبكل ثقة أنهم عرَّاب العلاقات والاعتراف بشرعية الكيان منذ عقود تسبق اتفاقيات كامب ديفيد؟

السيد عزام الأحمد يطل علينا ويرعد ويزبد ويهدد؛ حكام الإمارات، ويقول إنه وفريقه "لا يسمح بأن تصبح الخيانة وجهة نظر"، ويعاتبهم لأنهم لم "يستشيروا السلطة أو يبلغوها مسبقًا، بما كان يحصل بينهم وبين الإسرائيليين" (الميادين 17 اب). أما نبيل شعث، فقد اعتبر "اتفاق السلام" الإماراتي الصهيوني " خيانة وطعنة في الظهر"، وسارعت السلطة إلى سحبت سفيرها من محمية الإمارات كإجراء احتجاجي يعبر عن الرفض القاطع، لما أقدمت عليه حكومة الإمارات. كل هذا يفتح الأبواب على مصراعيها، ويضع المسلمات على الطاولة؛ لأن الجرم والخيانة التي أقدمت عليهما الإمارات تتم إدانتهما من طرف فلسطيني (فريق أوسلو) أقدم على توقيع اتفاقيات شبيهة أو أسوأ منها مع نفس الكيان، ويقبل ويبارك اتفاقيات مماثلة وقعت من قبل نظامي الأردن و مصر مع الكيان الصهيوني أيضًا، الذين يقيمان علاقات كاملة معه، ويعتبرهما فريق أوسلو شركاء في المصير. 

على ماذا يدلل هذا؟ ولماذا كل هذا الارتباك والتخبط، في تصريحات قيادات اليمين المتناقضة مع الذات؟ ربما في جزء منها بسبب الجغرافيا السياسية، وفي جزئها الآخر؛ بسبب الخوف من المصير المجهول لبعض مكونات الطاقم القيادي في المقاطعة الذي يرى في شبح دحلان المدعوم من الإمارات ونظام السيسي وأسيادهم، ككابوس يقضي مضاجعهم، أي ما يقلق بعض المتنفذين ليس مصير القضية، بل مصيرهم ومستقبل امتيازاتهم الشخصية والعائلية، مما يفرض إعادة صياغة وطرح السؤال الذي يردده كل فلسطيني: كيف يفهم فريق أوسلو الخيانة؟ وهل هنالك خيانة "وطنية" يعني "مليحة" ومقبولة وخيانة "عاطلة" ومرفوضة؟

إن طبيعة الكيان الصهيوني في فلسطين ككيان استعماري عنصري احلالي، واعتباره أحد ركائز الاستراتيجية الامبريالية الكونية؛ وبسبب الرواية المزورة عن تاريخ المنطقة التي تحاول الصهيونية، دون جدوى، من خلالها ايجاد جذور تاريخية لخرافة الشعب اليهودي، تكتسب القضية الفلسطينية خصوصيات وأبعاد فريدة من نوعها في دفاعها عن ذاتها وعن تاريخيتها كأرض وكشعب لا تقبل ولا تسمح بإنصاف الحلول أو التلاعب بالألفاظ ومن أي كان، لذا الخيانة بعينها هي الاعتراف بشرعية الاغتصاب والمغتصبين؛ سواء من فلسطينيين أو عرب، وتكريس ما نتج عنه من تغير على الطبيعة والمجتمع في فلسطين، كحقيه ثابتة لا تتغير، وهذا بحد ذاته هذا يشكل انتهاكًا صارخًا للجغرافيا والتاريخ ولقوانين الصراع، وكل من ينتهكها لن يسلم من ملاحقتها له .