كان هناك ... رائد نزال " أبو الأسير"

حجم الخط
هل نحدثكم عن طفولته الجميلة كيف ساقوها إلى مسلخ الأوشفت كيف سوروا حدائقها البهية بألف جدار وألف باب وألف كلب حراسة؟؟؟ كيف كبلوا سواعده الرقيقة بالحديد وساقوه من ملاعبه الجميلة في حارات قلقيلية وبيادرها وبيارتها إلى عتمة الليل وبرودة الأقبية؟ كيف سرقوا من فمه حبة الجوافا ليعطوه كسرة من خبز الفينو وصحن شوربة فقير. أنحدثكم طويلاً طويلاً عن فظاظتهم ودموية عقولهم وقلوبهم حين حاولوا ان يغتالوا قلبه الصغير فيزرعوا فيه غابة من رعب وخوف كان ذلك حين اعتقلوه وهو في الثالثة عشرة من عمره حين اكتشفوا عشقه للحجاره التي يمتشقها ليواجه آلتهم العسكرية المدججه بكل وسائل الموت واحتجزوه خمسة وعشرين يوماً في عتمة الموت البطيئ فازداد حبه للنور والضياء وصار مذ ذاك يبحث عن الشمس وعن مطلعها القادم. أخذوا طفولته البريئة، كي يقتلوا فيه البهاء، حرقوها صلبوها حاولوا اغتيالها بركلات بساطيرهم لكنهم ولأن حقدهم أعمى لم يدركوا أنهم قد فجروا في قلبه الصغير مليون أغنية جميلة، مليون بستنان من بساتين الجليل، ألف سور مثل سور عكا يزخر بالشجاعة والصلابة والثبات..، لم يعرفوا انهم انبتوا في قلبه الصغير في حجرة الحب الجميله مليون طفل يلعبون يحلمون يرقصون رقصة الريج الشمالية، ومثل أطفال المخيم يأملون أن يكبروا كي تصير لهم بندقية... كان ذلك عندما اعتقلوه للمرة الثانية وهو في الرابعة عشر من عمره ليصلبوه هناك في عتمة الليل ثلاثة عشر شهراً، تعلم هناك تاريخ كنعان وفن الابجدية، تعرّف إلى القسام وإلى الحكيم وأبو عمار وأبو جهاد، عرف كنفاني وهو يعود إلي حيفا، عرف الخواجا وهو يكتب صرخة التحدي في اقبية الموت فيزرع باشقةً للصمود ويسقط جسداً في رياض الثلاثين الحافظين أسرار الرفاق، عرف جيفارين: واحد في كوبا التحدي ينشد للمظلومين اغنية التحرر، وواحد في غزة هاشم يزرع الموت للمحتل في فضاء بلادنا، لم يمهلوه طويلا بعد التحرر، لم يمهلوا طفولته البهية كي تستعيد ربيعها المسلوب ولم يمهلوه لكي يعب من الشمس ضياءً كثيرة، فاعتقلوه مرة أخرى وهو في الخامسة عشرة من عمره ليحكموا عليه بالسجن خمسة اعوام، لم يعد منها الاّ محرراً بعد اربعة عشر عام من الأسر فلم تنتهي الخمس سنوات حتى حكم عليه بالسجن المؤبد... ليحرر "شرف" فتاة لا يعرفها داسه خائن همجي من أجل ان يشبع غريزته فأشبعه رائد في جلسة التحقيق دفاعا عن حريتها التي أرادت أن تمتشقها ولم تستطع حيث اغتيلت الفتاة للمرة الثانية بإسم شرف العائلة ... ووو شب هناك أبو الأسير أرادوها له غيابة جب وغيهباً من ظلام، ولكنه ورفاق اسره وجيش الأحرار البواسل من طلائع شعبنا الفلسطيني أولئك الذين تحدوا عتمة الليل حولوا قلاع الظلام إلى خنادق للضياء، فأضاء القلاع واشعلوا من نيران قلوبهم ألف منارة تعكس إرثهم وإرث شعبهم الحضاري والثقافي والنضالي وجدراته في الحياة، صارت معاقل الموت مدارس للعطاء والتوعية وشحذهم المتواصل والفداء والاستمرار لمسيرة الشهداء ومسيرة القسام وعبد القادر الحسني وعرفات وحبش وكنفاني مسيرة الحلم الفلسطيني بالخلاص والتحرر وبناء دولتنا العتيدة وعودتنا له، ألف حساب، لا يخافون جسده العملاق وصلابة ساعديه الكفيلة بدك عنق أحدهم في ضربة قاضية عاجلة فحسب بل وكانوا يحسبوا الحساب لصلابة ارادته وعناده وجرأته وشراسة نظراته حين يغضب من عدو، كانوا يخافوا من كلمته فإن قالها فعل وإن توعد نفذ. لقد اختبروا شدة بأسه في معارك كثيره، حين حاولوا ان يفرضوا على الأسرى التفتيش العاري، حين كانوا يداهمون زنزاناتهم فوقهم يبحثون عن أوراق تنظيمه (كبسولات) أو أشعار مكتوبه أو صوراً للشهداء، وذات مرة داهم السجانون زنزانته رائد وساقوا زملاءه للتفتيش في الممر، كان رائد يحمل حفنة من الكبسولات هي أوراق تنظيمية ملفوفة مكتوبه بخطوط مصغره(مسمسه)، كان الإرتباك سيد الموقف لدى الأسير العادي الذي يُداهم فجأة قبل أن يتمكن من إخفائها، لكن رائد أخرج الرزق من جيبه وراح يلعب بها فيلقيها في السماء ثم يلقفها وهو يضحك، قال له كبير ضباطهم ما هذا؟ قال له رائد بكل بساطه: هذه كبسولات تنظيمية امنية "جرب تمد ايدك عليها، تع خدها" قالها بسخرية وتحدي.. وقبل ان يستفيق الضابط من هول صدمته ويستدعي طاقم سجانيه ليهجموا على رائد كان رائد قد ألقاها في احدى الغرف المغلقة حيث زملاؤه هناك يسارعون في ابتلاعها . لقد كانت مهة حماية الأوراق التنظيمية والكبسولات مهمة نضالية شاقة كان المبدأ المتعارف عليه أن يموت الاسير قبل ان يسلمهم ورقة أو كبسولة...كان حماية الكبسولات أحد مزايا البطولة وسجاياها. لا لشيء سوى أن هذه الأوراق كانت تعبيراً عن صلابة الركيزة التنظيمية والنضالية تلك الركيزه الأهم في حياة الحركة الأسيرة وفصائلها. عنيداً كان رائد في مواجهة أعدائة، وعنيداً كان في سباقة وتنافسه لكي يحتل موقع القيادة والقرار، لأنه كان دوماً يملك الإرادة لذلك ويملك الإحساس بالواجب وبالدور الذي يجب أن يناط بالقائد المقدام... كان قائداً فذاً لجيش من الرفاق يعمل ليل نهار، يشرب ماء المخلل كي يستطيع السهر لكي يكتب تعميماً او بياناً أو توجيهاً أو نشرة أو تقرير أو ندوة أو تحضيراً لجسلة ثقافية أو تحليلاً سياسياً، أو أعداداً لمجلة ثقافية، أو مراجعة لتقرير أمني أو تشفير المعلومات وكبسلتها أو مراسلة منظمات الأسر الأخرى في السجون الأخرى لكي يظل نسيج التواصل والتنسيق ولإدارة جيشٍ أسير ممتد على عشرات القلاع وعشرات الأقسام ومئات الفرق يعمل مثل النحلة، ولا ينسى نفسه وجسده وروحه، كان رائد ينظم وقتاً للرياضه ووقتاً للدراسة ووقتاً آخر للكتابة وأوقاتاً كثيرة للتخفيف عن رفاقة ومداعبتهم وخلق اجواء المرح كي يشعرهم أنهم أحياءاً اقوياء.. ولا ينسى أوقاتاً كثيره يقضيها جانب الشيخ الجليل أبو رفعت له المجد والخلود يسهر على راحته ويدأب على تغسيله في مراسيم من الفرح الطفولي، ويدأب على شحن ذاكرته التي كانت تتهاوى تحت سندان الزهايمر ...كان حبيب أبو رفعت وقلبه الثاني وساعده. كان يعشق رفاقه الأسرى وتخليداً لوفائه لهم سمّى بكره وولده الوحيد الحبيب سمّاه أسير اعتزازاً بالأسير وتمجيداً وسمواً. ورفعة بهذا اللقب الجميل الحبيب ولأن الأسير هو توأم الحر فالأسر في وعي رائد هو الحرية ودرجة سامية منها هي عشق الشمس... حين تحرر رائد عام 1999 كان ينتقل من خندق للصمود والمقاومة شهده مع زملائة قادة وكوادر وعموم الأسرى الى خندق جديد للمقاومة والتواصل والعطاء... وجّه للعدو في انتفاضة الأقصى ضربات مؤلمة مميتة... زرع في شوارع حقدهم العنصري معاني الرعب والخوف وكشف لهم عورات هذا الكيان الطاغي وهشاشة وجوده واستحالة بقائة واستحالة أن ينعم بالأمن والحضور جيلاً بعد جيل إلى ان يزول من سمائنا من فضائنا ومن أرضنا... لن يمر اغتيال ابا علي مصطفى مرور الكرام لا ولن تمر مذبحة جنين التي ذهب فيها معظم رفاقه وزملائة الأسرى مروراً سليما على الاحتلال في ذهن رائد... لن يسمح لدمعات الشهداء الأطفال التي لم تجف من جفونه بألا تكون ضربة قاسية على الاحتلال .. سيكون هنالك مكاناً لحلمه الذي كبر قهره ... عمليات مقاومة نوعية تفهم الاحتلال كيف القهر يكون... قاتل رائد وقاد قلة من الرفاق والشهداء الذين قاموا بأروع وأزهى العمليات البطولية... خطط رائد لعمليات نوعية تلقن الاحتلال درساً حتى نال منه العدو الغاصب فاغتاله في معركة بطولية هي بحد ذاتها حكاية فداء اسطورية حين أمر رائد رفاقه بالأنسحاب وراح يدافع عن انسحابهم بجسده وطلقاته التي لم تسكت حتى سقط شهيداً... حالماً بأسيره ومستقبله وحاضره... وحالماً بذاته في فلذه كبده الذي جسد في إسمه مسيرة حياته وفي تاريخ مستقبله اطنان احلامه التي لم يطوق تنفيذها بعد ومستقبل حلم بأن يكون افضل له ولكل أطفال فلسطين ورحل ليترجم جزءا من هذا الحلم. رحل رائد لكنه ظل حياً في خنادق الأسر في قلوب الرفاق في إرادتهم في قبضاتهم وهم يواجهون سطوة السجان ويحثون الخطى على درب رائد.. سقط رائد في نيسان الذي أحبه لأنه رمز الخصب والعطاء والربيع فكان دمه الأرجواني روضة أخرى تعطي للحنون ولشقائق النعمان ألوانها الحمراء الزاهية وللرايات في سماء بلادنا لونها القاني... رحل رائد لكي يظل مع الخالدين... خالداً في ضمير كل فلسطيني وفي احلام أسير الذي يرفض رحيله ويتنظر أن يظهر فيه كما هو في غذائة وشرابه ودوائة ... ينتظر ان يظهر رائداً آخر في شخص اسيره الذي حمل منه معاني الرياده وسيجبلها في كينونة نشأته ومقومات شخصه لتبرق رائداً نوعياً حالماً مبدعاً مدافعاً مقاتلاً كارهاً للظلم ناشداً للعدالة والحرية ... أسير الذي ينشد اناشيد الفخر بوالده سينشد احلامه فيه... رائد... رحلت جسداً وخلّدت رسالةً أحلامك تُبرق في عيون أسيرك وحيويتك تنطق من جسده الصغير نم قرير العين يا رفيق فهنالك أسير وهنالك مئة ألف ضمير وهنالك جيلاً حاملاً لرايتك يعيش طفولتك التي لم تعشها بعد ويمتطي أحلامك التي لم تمتطيها بعد