الثالوث الدَنِس: دونالد ترامب بنيامين نتنياهو وفايروس كورونا

حجم الخط

بقلم / أبو أسعد كناعنة

ركود اقتصادي؛ أزمة اجتماعية عميقة؛ شَق وانشقاق في البُنية السياسية الحزبية؛ سياسة نيوليبرالية تَتَحَكّم بسيرورة التفاعلات الاقتصادية وَ"قَيصَر" يَحكم ويَتحكّم بمجريات الأحداث، معارضيه ليسوا فقط من المنافسين للوصول إلى سُدّة الحُكم، بل هناكَ شرائِح صهيونية مُتضَرّرَة من سياساتهِ الاقتصادية السياسية، ومؤيّدوه ليسوا فقط أصحاب الرأسمال وكبار أباطرة الاقتصاد، بل ومنهم من الغوغاء من الشرائح الفقيرة في التجمع الصهيوني الاستعماري والذين يتغَذّون على غَوغائيّة خطاب ما يُسمَّى باليمين الصهيوني وتحديدًا بنيامين نتنياهو، هذا يحصل في داخل هذا الكيان الاستعماري، وفي ذات الوقت هرولَة غير مسبوقَة نحو نسج علاقات خيانية تُسمّى جزافًا "تطبييع" من قبل أنظمة الحكم في الخليج ودول عربية أخرى مختلفة، بعضها ينفي ذلك وهو يقيم علاقات ودّية منذُ عقود، وبعضها يتمنَّع والشركات الصهيونية، الأمنية والاقتصادية، ترتع في بلاده، شركة أمنية صهيونية تَتولّى الحراسة في الحرم المكي الشريف وتُشرف على إجراءات الأمن في موسم الحج وما زلنا ننتظر الإعلان، لماذا؟

 الإجابة عن ال "لماذا" هذه قَد تكون في صلب خربشاتي هذه، أو قَد نجدها هناكَ، عذرًا ولا أقصد بال "هناكَ" تلكَ خاصّة محمود الهَبّاش، إمام والي المقاطعة في رام الله، قد نجدها هناكَ عندَ شاطئ غزة الذي يئنُ حصارًا منذُ ما يزيد عن حياة شابٍ أو صَبيّة عيونهم خلفَ البحر تُبحرُ لترى ماذا يوجد هناكَ يا ترى، أو هناكَ في ضِفّةٍ معزولَةٍ عَن نهرها وبحرها حَدَّ الغرقَ بهِ، هُناكَ عندَ حاجزٍ يقتلُ جنينًا في رحمِ أمّهِ؛ "داوود" و "سارَة" و "آيه" و "إسراء" وكُلّ الأسماء تحمل دمها يا سادَة الثَورة، فاستَمرّوا في مُداولاتكم حولَ معنى الوحدة "الوطنية"، وبرنامج "الثَوابت"، ومهرجان "المُصالحة"، وأسعار "تصاريح" العمل في الكيان. أولًا تعلمونَ أنَّهُ من بعدِ تجار الخردة والقماش والدم برزَ موعد جديد من التجار، تجار التصاريح، ألا ليتَ كلّ هذا ما كان ولو بالدم، هو لسان حال الغلابة وليسَ موقفي يا سادة!

تَتسارع الأزمات داخل حكومة نتنياهو/غانتس أو ما يسمى بحكومة "الوحدة الوطنية" في الكيان الصهيوني والتي تشكلت بعد جولة انتخابات ثالثة جرت خلال عام واحد وفي خضم أزمة "جائحة كورونا"؛ فيروس "كوفيد 19" الذي اجتاح العالم مُرعبًا الناس وما فرضه على المجتمع الدولي من أزمات اقتصادية/اجتماعية، ومما لا شك فيه بأنّ استغلاله السياسي تم على أحسن وجه من قبل عُتاة حكام العالم الطُغاة خاصّة أولئكَ المُنتَخَبين "ديموقراطيًا" ويسعونَ لِنشرِ ديموقراطيّتهم حولَ العالَم، بدءً من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وليس انتهاءً بِبنيامين نتنياهو رئيس حكومة الكيان الصَهيوني، وهذا الأخير وإن كانَ لا يرغب في انتخابات رابعة، ولكنّهُ اليوم يقف، رغمَ كل معارضيه، الأقوى في الساحة السياسية الصهيونية الداخلية وهذا لا ينفي أنَّ الكيان بذاتهِ يرزح تحت طائِلة أزمة وجودية وانهيار معنوي لدى سكانهِ؛ والأمر يتجلى في التعبير عن رؤيتهم لمستقبل وجودهم هنا، على أرضٍ هم أدرى الآن بِعُمق الأزمة التي زُجّوا بها من قبلِ قادتهم، وكشفت أزمة الكورونا عُمق هذه الأزمة، وإن كانت تحتاج إلى دراسة خاصّة ومستفيضة، وهنا تكمن المؤامرة، وليس في نقاش وَجَدل وجود الفيروس أو عدمه، فهذا النقاش برأيي، محض اسفاف وفيهِ استخفاف بالعقول، الوباء قائم وفايروس كورونا يَحصد أرواح البشر، خاصة الفقراء حول العالم حيث لا تأمين صحي ولا رعاية طبية متوفرة، ففي الولايات المتحدة الأمريكية لوحدها وصلَ عدد الوفيات إلى ما يُقارب المائَتي ألف حالَة معظمهم في الأحياء الفقيرة وبين السكان من أصول إفريقية، والمُسنين هم الأكثر عرضة للموت تأثُرًا بإصابتهم بهذا الفايروس كون المناعة ضعيفة نسبيًا لدرجة أن البعض من أبناء "الديموقراطية" الليبراليين اعتبروها فرصة للتخلص من جيلٍ هو ليس إلا عبئًا على حكوماتهم من الناحية الاقتصادية، وهذا التفكير هو حاضنة نهج تصريحات بعض الأطباء في فرنسا (المدير العام للمعهد الوطني للصحة والأبحاث الطبية، كاميل لوكيت ورئيس طوارئ مستشفى "كوشان باريس"، جان بول ميرا، بضرورة تجربة اللقاحات التي يتم تطويرها في القارة الأفريقية)، هو ذات النهج الذي شكل دفيئة للإستعمار ومجازره على طول العالم وعرضه؛ من الإبادة للسكان الأصليين في أمريكا إلى هيروشيما وناجازاكي إلى فيتنام وحصار كوبا وشعبها ستون عامًا؛ نهب العراق وخيراته وتفتيتهِ وتجويع أهلهِ وقتل الملايين هناك؛ حصار غزة والعدوان المُستمرّ عليها وعلى الناس والبشر والحجر؛ تدمير لبنان وتفتيت ليبيا ومجازر رواندا وقصف أطفال اليمن؛ الحرب الكونية على سوريا ومحاولةِ تقسيمها ونهبها، إلى التحرّش بفنزويلا وحصارها، واغتيال رؤساء وزعماء وقادة ثوريين، ديموقراطيين، مناضلين من أجل الحرية والعدالة، إلى تسليم الثائر كارلوس إلى فرنسا الإمبريالية الاستعمارية البغيضة، والتي تحتجز جورج إبراهيم عبدالله المناضل الفلسطيني اللبناني العروبي الثائر الأممي، والذي أمضى ما يزيد عن ستة وثلاثين عامًا في السجون الفرنسية، وهناك عشرات، بل ومئات الأمثلة التي من الممكن أن نسوقها هنا، والتي تُشير بوضوح لا يقبل الشَك إلى ما اقترفته الإمبريالية العالمية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية و"إسرائيل"، من جرائم بحق المجتمع الإنساني حول العالم وبِحق الأمّة العربية خاصّة.

فلسطين التي كانت شعار العالم في مسيرة الحُرّية العالمية، هي اليوم مرتع للثالوث الدَنس، وغَدَت بَوابَة أو حتى "عَبّارة" لِطعنِ ما آمنَ بهِ أحرار العالم من عدالَة وطهارة لقضية فلسطين، الانقسام الحاصل على الساحة السياسية والجغرافية ليسَ وليد اللحظة، ولم يكن فقط هو الدافع لما وصلنا إليهِ اليوم؛ بل إنَّهُ الوقوع في شباك هذا الثالوث من قبل القيادة المُتنفّذة في منظمة التحرير الفلسطينية؛ الرضوخ للمبادرات العربية الرسمية وقبول مقترحات مثل: "دولة على أي شبر مُحرَّر" والسماح لمشروع النقاط العشر الولوج إلى تفاصيل برنامج "التحرير" والالتفاف حولَ شعار "عدم التدخل في شؤون الغير" والكذبة الكبرى التي رفعها أبا عمار ياسر عرفات ، "القرار الفلسطيني المُستقل" تمهيدًا لإخراج القضية الفلسطينية من عُمقها القومي لِتلتحق بركبِ شعار أن "99% من أوراق الحل بأيدي أمريكا"، وهكذا غرقت الثورة بمال الخليج فسادًا، بدلَ أن يكونَ هذا المال لبناء الثورة أصبحَ سُلّمًا لصعود "الثورة" الى قطار التسوية مع الكيان الغاصب.

حتى في التسوية باعت الثورة أبناءها وتركتهم في السجون لثلاثة وأربعة عقود، والتسوية أدارها جهلة فاسدين، وهذا أمر طبيعي، حتى باتَ شعار المفاوض التاريخي، الصديق الحميم "لتسيفي ليفني"، ابنة الموساد الصهيوني، الدكتور صائب عريقات بأنَّ "الحياة مفاوضات"، فماذا نقول لأحرار العالم بعدَ هذا؟

"كوفيد 19" أو جائِحة كورونا تجتاح العالم وتحصد الأرواح بالآلاف والإمبريالية تقول بأنَّ الأمر "مؤامرة" من الصين، وهنا تبدأ جولة التحريض شرقًا، الولايات المتحدّة أيضًا ترزح تحتَ أزمة اقتصادية كبيرة، عدا عن أزمتها الأخلاقية التاريخية وليسَ صُدفة وصفها "برأس الأفعى"، وبهذا التحريض تسعى إدارة ترامب إلى محاولة ضرب الاقتصاد الصيني الذي باتَ الأقوى عالميًا والمنافس من دون منازع للاقتصاد الأمريكي، التحريض هذا هدفهُ ضرب تجارة الصين في العالم وتحديدًا في منطقة الخليج والوطن العربي وإفريقيا، وهكذا يدخل الضلع الثالث في الثالوث الدنس؛ الرجعية العربية وهي لا تستحق أن نقول عنها أكثر من فايروس كما وردَ في العنوان، نعم هي الفايروس الذي تسعى من خلاله الولايات المتحدة لضرب الصين اقتصاديا ومعها إيران؛ من خلال علاقات "طبيعية" مع الكيان الصهيوني؛ الابن المُدلّل للإمبريالية العالمية وللولايات المتحدة الأمريكية تحديدًا. كل هذا الانهيار لا يعني أبدًا أن يكون مدخلًا لليأس كما يُراد لهُ أن يكون في صفوف الحركة الثورية العربية والعالمية، بل هو مدخل لقراءة الصورة الصحيحة للتحالفات حول العالم ولضرورة تعزيز التحالفات على هذه القاعدة، قاعدة مقاومة ليسَ التطبيع فقط، بل كل أدواتهِ وأهدافهِ وزمرتهِ، خاصة تلمَ الزُمرة "المُثقّفة" التي تقاتل على جبهة الثقافة لِتُسقط القلعة من داخلها.

إنَّ إعادة الاعتبار للموقف الواضح من كل القضايا هو الأهم، هو الحجر الأساس في كسرِ طوق هذا الثالوث الذي يحاول أن يلتف على عاتق الأمّة وأحرارها وأنصارها؛ وضوح الرؤية هي الصخرة التي سَتَتَحطَّم عليها كل أطواد المؤامرة.