الحركة الوطنية الفلسطينية: من استراتيجية التحرير إلى إعلان الاستقلال

حجم الخط

منذ اتفاقية سايكس بيكو التي قسمت بلاد الشام إلى أربع كيانات سياسية والشعب الفلسطيني ظل يراوده حلم الاستقلال الوطني كغيره من شعوب بلدان العالم الثالث التي خضعت للاستعمار الغربي الكولونيالى؛ غير أن تحالف الحركة الصهيونية العالمية الذي تزامن نشوئها في أوائل القرن التاسع عشر مع صعود البرجوازية الأوروبية، بانهيار عصر الاقطاع الديني، والتي اختارت فلسطين لتكون وطنًا قوميًا يجمع الشتات اليهودي؛ تحالفها مع المشروع الاستعماري الغربي، بإطلاق وعد بلفور التي عملت حكومة الانتداب البريطاني على فلسطين بتحقيقه، وذلك من خلال تشجيع موجات الهجرة الصهيونية، قد حال كل ذلك دون تحقيق هذا الحلم الوطني المجيد... مع تزايد وتيرة الهجرة الصهيونية إلى البلاد، كأحد وسائل حل ما عرف بالمشكلة الأوروبية التي تعنى التخلص من اليهود في القارة الأوروبية انطلقت الحركة الوطنية الفلسطينية، في نضالها الوطني بشقيه؛ السياسي والكفاحي، وكان هدفها الأساسي إنهاء حكم الانتداب البريطاني وإيقاف الغزوة الصهيونية، ووصلت في أوج فاعليتها في ثورة 1936 التي استمرت ثلاثة أعوام وتوقفت بناء على مناشدة الحكام العرب، وهو ما يثبت على قِدَم التخاذل العربي الرسمي في دعم النضال الوطني الفلسطيني.

 في قراءة للوضع الفلسطيني بعد نكبة عام 48 وإعلان بن جوريون في 15 مايو استقلال الدولة  العبرية؛ استنادًا على قرار الأمم المتحدة 181 عام 47 بتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية، بقى الشعب الفلسطيني يسعى للحصول على الاستقلال في دولة على كامل التراب الوطني في إطار استراتيجية التحرير، وذلك بهزيمة الكيان الصهيوني واقتلاعه من المنطقة العربية، وكانت الوصاية العربية الرسمية، بمبرر السيادة الوطنية، ترى في العمل الفلسطيني التحرري، خاصة المقاومة المسلحة، خطرًا على أمنها الوطني، حتى جاءت هزيمة يونيو 67 لتحرر الشعب الفلسطيني من قيد الوصاية والتخاذل العربي الرسمي، وكانت قبل ذلك بعامين انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة، في الفاتح من يناير عام 65، وكان هدفها الأساسي التي أعلنت عنه هو هدف التحرير.وإقامة الدولة الديمقراطية على كامل التراب الوطني، لتأخذ طريقها كالثورات الوطنية في بلدان العالم الثالث التي لها تجارب ثورية رائدة وحققت الحرية والاستقلال الوطني لبلدانها، لأنها توفرت لها قيادة وطنية ثورية واحدة رغم تعدد القوى السياسية في إطارها، على اختلاف برامجها السياسية والفكرية، وكان هَم الجبهات الوطنية التي تشكلت في تلك البلدان تحرير البلاد وصولًا لتحقيق الاستقلال، وذلك دون الاهتمام بمساعي التسويات السياسية، لذلك ظلت بعيدة عن الصراعات الإقليمية والدولية؛ فوجدت الدعم من كل قوى التحرر في العالم، حتى من القوي الديمقراطية في البلدان الغربية الاستعمارية نفسها، وكذلك من بلدان المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي السابق.. بتبني الثورة الفلسطينية المعاصرة، بعد ذلك البرنامج المرحلي في عام 74 بإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران عام 67 وعاصمتها " القدس الشرقية". طغى شعار الاستقلال ببسط السيادة على الأراضي المحتلة، بعد الانسحاب الإسرائيلي منها على هدف التحرير في الخطاب السياسي الفلسطيني الرسمي، وهو ما يشكل في الواقع قراءة خاطئة لطبيعة الصراع الدائر بين المشروع الوطني والمشروع الصهيوني العنصري العدواني، حيث وجود التناقض الرئيسي التناحري الذي يحكم العلاقة بينهما، والذي من شأن استمراره قائمًا وفاعلًا في مجرى الصراع؛ إلغاء أي توهم بإمكانية إحراز تسوية سياسية عادلة للقضية الفلسطينية، خاصة في ظلل الخلل القائم في موازين الصراع، والذي يسجل لصالح العدو.

 كان إعلان وثيقة الاستقلال لدولة فلسطين في الجزائر قبل 32 عامًا هو إذن إعلان استقلال لفظي على أراضٍ ما زالت تحت الاحتلال، وذلك في محاولة من قيادة منظمة التحرير الفلسطينية لاستثمار ما أحدثته انتفاضة الحجارة في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلتين؛ من تعاطف دولي، والتي تأتي ذكراه هذه الأيام متوافقة مع الاحتفال بذكرى استقلال الجزائر؛ فبينما تحقق الاستقلال للجزائر، وكان ذلك على أرضية استراتيجية التحرير، بهزيمة فرنسا الاستعمارية، ما زال الاستقلال الفلسطيني لم يتحقق بسبب غياب هذه الاستراتيجية الوطنية التحررية واستبدالها بمساعي التسوية السياسية مع العدو الصهيوني؛ القائمة على أساس المفاوضات بالرعاية الأمريكية، ذلك هو العامل الذاتي الذي طغى على مسيرة النضال الوطني الفلسطيني، والذي أعاق حتى الآن التوصل إلى تحقيق هدفي التحرير والاستقلال معًا. أما العامل الموضوعي الذي لم يكن متوفراً بشكل إيجابي، فقد كان كافيًا لإحباط تحقيق الاستقلال الوطني، فقد أثبتت مسيرة الثورة الفلسطينية المعاصرة؛ أن الأنظمة العربية، خاصة أنظمة دول الطوق، لا تستطيع التعاطي مع استراتيجية التحرير القائمة أساسًا على ممارسة أسلوب الكفاح المسلح، كما أن التعنت والصلف الإسرائيلي المستند إلى خرافة الرواية اليهودية، وأيضًا الانحياز الأمريكي وعدم اتخاذ الإدارات الأمريكية المتعاقبة؛ أية ضغوطات مؤثرة كل ذلك جعل تحقيق الاستقلال الوطني في حال الانتظار.